**************************************************************************************************************
الجزء التالى من السيرة
النبوية لابن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام أبي محمد عبدالملك بن هشام بن أيوب
الحميري المعافري البصري المتوفي عام 213 الموافق لعام 828 م ستة مجلدات -
المجلد السادس - 115/116
***************************************************************************************************************
أمر سقيفة بني ساعدة
الاختلاف بين المهاجرين والأنصار
قال ابن إسحاق : ولما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم انحاز هذا الحي من
الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، واعتزل علي بن أبي طالب والزبير بن
العوام وطلحة بن عبيد الله في بيت فاطمة ، وانحاز بقية المهاجرين إلى أبي بكر ،
وانحاز معهم أسيد بن حضير ، في بني عبدالأشهل ، فأتي آت إلى أبي بكر وعمر ،فقال :
إن هذا الحي من الأنصار مع سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة ، قد انحازوا إليه ،
فإن كان لكم بأمر الناس حاجة فأدركوا قبل أن يتفاقم أمرهم ، ورسول الله صلى الله
عليه وسلم في بيته لم يفرغ من أمره ، قد أغلق دونه الباب أهله ، قال عمر : فقلت
: لأبي بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، حتى ننظر ما هم عليه .
قال ابن إسحاق : وكان من حديث السقيفة حين اجتمعت بها الأنصار أن عبدالله بن أبي
بكر حدثني ، عن ابن شهاب الزهري ، عن عبيد الله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود ، عن
عبدالله بن عباس ، قال : أخبرني عبدالرحمن بن عوف ، قال :
وكنت في منزله بمنى أنتظره ، وهو عند عمر في أخر حجة حجها عمر ، قال فرجع :
عبدالرحمن بن عوف من عند عمر فوجدني في منزله بمنى أنتظره ، وكنت أقرئه القرآن ،
قال ابن عباس : فقال لي عبدالرحمن بن عوف :
لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين ، فقال : يا أمير المؤمنين هل لك في فلان يقول
: والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ، والله ما كانت بيعة أبي بكر
إلا فلتة فتمت .
قال : فغضب عمر ، فقال : إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس ، فمحذرهم
هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمرهم .
قال عبدالرحمن : فقلت : يا أمير المؤمنين ، لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس
وغوغائهم ، وإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس ، وإني أخشى أن تقوم
فتقول مقالة يطير بها أولئك عنك كل مطير ، ولا يعوها ولا يضعوها على مواضعها ،
فأمهل حتى تقدم المدينة ، فإنها دار السنة ، وتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس ، فتقول
ما قلت بالمدينة متمكنا ، فيعي أهل الفقه مقالتك ، ويضعوها على مواضعها .
قال : فقال عمر : أما والله إن شاء الله لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة
.
عمر يذكر البيعة لأبي بكر
قال ابن عباس فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة ، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح
حين زالت الشمس ، فأجد سعيد بن زيد بن عمر بن نفيل جالسا إلى ركن المنبر ، فجلست
حذوه تمس ركبتي ركبته ، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب ، فلما رأيته مقبلاً ، قلت
لسعيد بن زيد : ليقولن العشية على هذا المنبر مقالة لم يقلها منذ استخلف ، قال
فأنكر علي سعيد بن زيد ذلك ، وقال : ما عسى أن يقول مما لم يقل قبله
، فجلس عمر على المنبر ، فلما سكت المؤذنون ، قام ، فأثنى على الله بما هو أهل له ،
ثم قال :
أما بعد : فإني قائل لكم اليوم مقالة قد قدر لي أن أقولها ، ولا أدرى لعلها بين
يدي أجلي ، فمن عقلها ووعاها فليأخذ بها حيث انتهت به راحلته ، ومن خشي أن لا يعيها
فلا يحل لأحد أن يكذب علي .
إن الله بعث محمداً ، وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل عليه آية الرجم ، فقرأناها
وعلمناها ووعيناها ، ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، فأخشى إن طال
بالناس زمان يقول قائل :
والله ما نجد الرجم في كتاب الله ، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله ، وإن الرجم في
كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء ، وإذا قامت البينة أو كان
الحبل أو الاعتراف .
ثم إنا قد كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله : ( لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر
بكم أن ترغبوا عن آبائكم ) ، ألا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : لا
تطروني كما أطري عيسى ابن مريم ، وقولوا عبدالله ورسوله .
ثم إنه قد بلغني أن فلانا قال : والله لو قد مات عمر بن الخطاب لقد بايعت فلانا ،
فلا يغرن امرأ أن يقول إن بيعة أبي بكر كانت فلتة فتمت ، وإنها قد كانت كذلك إلا أن
الله قد وقى شرها ، وليس فيكم من تنقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ، فمن بايع رجلاً
عن غير مشورة من المسلمين فإنه ، لا بيعة له هو ، ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا .
إنه كان من خبرنا حين توفي الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن الأنصار خالفونا ،
فاجتمعوا بأشرافهم في سقيفة بني ساعدة ، وتخلف عنا علي بن أبي طالب ، والزبير بن
العوام ، ومن معهما ، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر :
انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا منهم رجلان
صالحان ، فذكرا لنا ما تمالأ عليه القوم ، وقال : أين تريدون يا معشر المهاجرين
؟ قلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، قالا : فلا عليكم ألا تقربوهم يا
معشر المهاجرين ، اقضوا أمركم .
قال : قلت : والله لنأتينهم ، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا
بين ظهرانيهم رجل مزمل ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : سعد بن عبادة ، فقلت :
ما له ؟ فقالوا : وجع .
فلما جلسنا تشهد خطيبهم ، فأثنى على الله بما هو له أهل ، ثم قال : أما بعد :
فنحن أنصار الله ، وكتيبة الإسلام ، وأنتم يا معشر المهاجرين ، رهط منا ، وقد دفت
دافة من قومكم ، قال : وإذا هم يريدون أن يحتازونا من أصلنا ، ويغصبونا الأمر .
فلما سكت أردت أن أتكلم ، وقد زورت في نفسي مقالة قد أعجبتني ، أريد أن أقدمها بين
يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد ، فقال أبو بكر : على رسلك يا عمر ، فكرهت
أن أغضبه ، فتكلم وهو كان أعلم مني ، وأوقر ، فوالله ما ترك من كلمة أعجبتني من
تزويري إلا قالها قي بديهته ، أو مثلها أو أفضل حتى سكت .
قال : أما ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن تعرف العرب هذا الأمر إلا
لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا ، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ،
فبايعوا أيهما شئتم ، وأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح ، وهو جالس بيننا ، ولم
أكره شيئا مما قاله غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي ، لا يقربني ذلك إلى أثم
، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر .
قال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب ، منا أمير ومنكم أمير
يا معشر قريش ، قال : فكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، حتى تخوفت الاختلاف ، فقلت
: ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده فبايعته ، ثم بايعه المهاجرون ، ثم بايعه
الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة ، فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، قال
: فقلت : قتل الله سعد بن عبادة .
قال ابن إسحاق : قال الزهري أخبرني عروة بن الزبير :
أن أحد الرجلين اللذين لقوا من الأنصار حين ذهبوا إلى السقيفة عويم بن ساعدة ،
والآخر معن بن عدي ، أخو بني العجلان ، فأما عويم بن ساعدة فهو الذي بلغنا أنه قيل
لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الذين قال الله عز وجل لهم : ( فيه رجال
يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
نعم المرء منهم عويم بن ساعدة ، وأما معن بن عدي ، فبلغنا أن الناس بكوا على رسول
الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله عز وجل ، وقالوا : والله لوددنا أن متنا
قبله ، إنا نخشى أن نفتتن بعده ، قال معن بن عدي : لكني والله ما أحب أني مت قبله
حتى أصدقه ميتا كما صدقته حياً ، فقتل معن يوم اليمامة شهيداً في خلافة أبي بكر ،
يوم مسيلمة الكذاب .
خطبة عمر بعد البيعة لأبي بكر
قال ابن إسحاق : حدثني الزهري ، قال : حدثني أنس بن مالك قال :لما بويع أبو
بكر في السقيفة ، وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر ، فقام عمر ، فتكلم قبل أبي بكر
، فحمد الله ، وأثنى عليه ، بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس ، إني كنت قلت لكم
أمس مقالة ما كانت مما وجدتها في كتاب الله ، ولا كانت عهداً عهد إلي رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيدبر أمرنا ،
يقول : يكون آخرنا وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله صلى الله
عليه وسلم ، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له ، وإن الله قد جمع أمركم
على خيركم ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وثاني اثنين إذ هما في الغار ،
فقوموا فبايعوه ، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة ، بعد بيعة السقيفة .
خطبة أبي بكر بعد البيعة
فتكلم أبو بكر ، فحمد الله ، وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال : أما بعد : أيها
الناس ، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم ، فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوموني ،
الصدق أمانة ، والكذب خيانة ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله
، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى أخذ الحق منه إن شاء الله ، لا يدع قوم الجهاد في سبيل
الله إلا ضربهم الله بالذل ، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء ،
أطيعوني ما أطعت الله ورسوله ، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا
إلى صلاتكم يرحمكم الله .
قال ابن إسحاق : وحدثني حسين بن عبدالله ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال :
والله إني لأمشي مع عمر في خلافته وهو عامد إلى حاجة له ، وفي يده الدرة ، وما معه
غيري ، قال : وهو يحدث نفسه ، ويضرب وحشي قدمه بدرته ، قال : إذا التفت إلي ،
فقال : يا ابن عباس هل تدري ما كان حملني على مقالتي التي قلت حين توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قلت : لا أدري ، يا أمير المؤمنين ، أنت أعلم .
قال : فإنه والله أن كان الذي حملني على ذلك إلا أني كنت أقرأ هذه الآية (
وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )
فوالله إن كنت لأظن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبقى في أمته حتى يشهد عليها
بأخر أعمالها ، فإنه للذي حملني على أن قلت ما قلت .
*******************************************************************************************************************************
الجزء التالى منقول (أ. هـ ) من
كتاب : تاريخ الخلفاء
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي
الناشر : مطبعة السعادة - مصر
الطبعة الأولى ، 1371هـ - 1952م
تحقيق : محمد محي الدين عبد الحميد
عدد الأجزاء : 1
*************************************************
مبايعته رضي الله عنه
روى الشيخان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب الناس مرجعه من الحج فقال في
خطبته : قد بلغني أن فلانا منكم يقول : لو مات عمر بايعت فلانا فلا يغترن امرؤ
أن يقول : إن بيعة أبي بكر كانت فلتة و تمت ألا و إنها قد كانت كذلك إلا أن
الله وقى شرها و ليس فيكم اليوم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر و إنه كان من
خيرنا حين توفى رسول الله صلى الله عليه و سلم و إن عليا و الزبير و من معهما
تخلفوا في بيت فاطمة و تخلفت الأنصار عنا بأجمعها في سقيفه بني ساعدة و اجتمع
المهاجرون إلى أبي بكر فقلت له : يا أيا بكر : انطلق بنا إلى إخواننا من
الأنصار فانطلقنا نؤمهم حتى لقينا رجلان صالحان فذكرا لنا الذي صنع القوم فقالا
: أين تريدون يا معشر المهاجرون ؟ قلت : نريد إخواننا من الأنصار فقالا : عليكم
ألا تقربوهم و اقضوا أمركم يا معشر المهاجرين فقلت : و الله لنأتينهم فانطلقنا
حتى جئناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا هم مجتمعون و إذا بين ظهرانيهم رجل مزمل
فقلت : من هذا ؟ قالوا : سعد بن عبادة فقلت : ما له ؟ قالوا : وجع فلما جلسنا
قام خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله و قال : أما بعد فنحن أنصار الله و
كتيبة الإسلام و أنتم يا معشر المهاجرين رهط منا و قد دفت دافة منكم تريدون أن
تختزلونا من أصلنا و تحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم و قد كنت زورت
مقالة أعجبتني أردت أن أقولها بين يدي أبي بكر و قد كنت أداري منه بعض الحد و
هو كان أحلم مني و أوقر فقال أبو بكر : على رسلك فكرهت أن أغضبه و كان أعلم مني
و الله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بداهته مثلها و أفضل منها
حتى سكت فقال : أما بعد فما ذكرتم فيكم من خير فأنتم أهله و لم تعرف العرب هذا
الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبا و دارا و قد رضيت لكم أحد هذين
الرجلين فبايعوا أيهما شئتم فأخذ بيدي و بيد أبي عبيدة بن الجراح و هو جالس
بيننا فلم أكره مما قال غيرها و كان و الله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك
من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر فقال قائل من الأنصار : أنا
جذيلها المحكك و عذيقها المرجب منا أمير و منكم أمير يا معشر قريش و كثر اللغط
و ارتفعت الأصوات حتى خشيت الاختلاف فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر فبسط يده
فبايعته و بايعه المهاجرون ثم بايعه الأنصار أما و الله ما وجدنا فيما حضرنا
أمرا هو أوفق من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم و لم تكن بيعة أن يحدثوا
بعدنا بيعة فإما أن نبايعهم على ما لا نرضي و إما أن نخالفهم فيكون فيه فساد