منقول من مقالات القمص أنجيلوس جرجس ــ Fr.Angelos Gerges Articles's
************************ ماذا يبقى للمسيحي إذا تنازل عن إيمانه؟ ماذا يفيده من كل تعبه على الأرض إذا كان إيمانه غير حقيقي؟ ولماذا يتنازل عن هذا الإيمان؟ يقول الشهيد يوستينوس: "تستطيع أن ترى بوضوح إنه حينما تقطع رؤوسنا وتصلب وتلقى للوحوش المفترسة وتقيد بالسلاسل ونلقى في النار وكل أنواع التعذيب إننا لا نترك إيماننا". ولم يكن هذا لأصحاب الرتب الكنسية بل كان المسيحيين رجال ونساء وأطفال لذلك كان جهاد الآباء ضد الهراطقة ورفضهم أي تغيير فيما تسلمناه حتى وإن كان هذا من أصدقائهم أو عائلاتهم فالإيمان أهم من العاطفة. ومن أهم الشخصيات التي روجت لفكر أوريجانوس ونشرته مؤرخ اسمه روفينوس.
روفينوس وهو كاتب " هستوريا موناخورم " ويعتبر مرجع هام في التاريخ الرهباني، وإن كان قد اقتبس ما جاء فيه من السبعة رهبان القادمين من فلسطين، بل أغلب الظن إنه أخذ كتاباتهم ونسبها إلى نفسه. ولد في مدينة "أكويلا" في إيطاليا سنة 345م، وقد أهمله أبوه في الدراسة، فأعتمد على نفسه، واشتغل وكسب المال، ثم ذهب إلى روما، وتقابل مع القديس جيروم، وصاروا أصدقاء، وتعلما معاً الفلسفة، وكان من يتعلم الفلسفة دون عمق لاهوتي ودون إيمان راسخ يميل فكره إلى أوريجانوس. واعتمد "روفينوس" وعمره 28 سنة، وفي ذلك الوقت ذهب القديس جيروم إلى فرنسا، وطلب منه روفينوس أن يرسل له نسخة من أعمال القديس إيلاريون عن المزامير والمجامع، وكعادة أي شاب يداعبه فكر الرهبنة، كان يتجه إلى برية مصر. فعاش روفينوس في تجمعات نسكية في أكويلا من 368م ولمدة خمس سنوات، وكان لدي النساك الأوربين حنين دائم للحياة في أورشليم، فمن يترهب هناك، يشعر ببركة الأرض المقدسة، فذهب روفينوس إلى أورشليم، وتقابل مع ميلانيا، واتفقوا أن يأتوا معاً إلى مصر، وفي ذلك الوقت كان فالنس الأريوسي هو الإمبراطور، وقد تعامل بعنف مع الرهبان، عادت ميلانيا إلى أورشليم، واستمر روفينوس في مصر من 373م إلى 380م. وكتب له جيروم وقال: "سمعت أنك توغلت في المواضع الداخلية الخاصة في مصر، وزورت جماعة الرهبان، وتفقدت العائلة السمائية على الأرض". فقال له روفينوس: "لقد حظيت برؤية العينين لآباء عاشوا عيشة السماء على الأرض، لقد رأيت قديسون قد تتطهروا من كل إثم، حتى نسوا أن الشر موجود في العالم، ويعيشون في مغاير في الصحراء، والمحبة تربطهم جميعاً". ومكث فترة في منطقة القلالي، ويقول عن الآباء هناك: "يُخيل إلى كل من يراهم أنهم أحرزوا أعلي الدرجات العلمية من الحكمة الإلهية". ثم عاد إلى أورشليم، وقد بنت له ميلانيا ديراً، فمكث فيه، وبدأ يترجم كتابات أوريجانوس. ورُسم شماساً على يد أسقف أورشليم "يوحنا" ـ الذي جلس على الكرسي بعد القديس كيرلس الأورشليمي، ولكن "يوحنا" كان أوريجاني، ويشجع كل من يحمل هذا الفكر ـ. وفي ذلك الوقت جاء القديس "إبيفانيوس" أسقف سلاميس 394م إلى أورشليم، يصحبه القديس "جيروم"، وهو من كان يدافع عن الإيمان المستقيم في كل أوروبا ضد فكر أوريجانوس، وكان جيروم في ذلك الوقت يظن في أوريجانوس أنه أمير الشراح، لأنه أول من فسر العهد القديم والفكر الرمزي، وكان قد نقل عن فيلون هذا الفكر الرمزي، وقد كان بمثابة فك رموز كثيرة في الكتاب المقدس لأي أحد دخل المسيحية ويقرأ الكتاب المقدس، ليجد أن هناك أعماق أخرى وراء الأرقام والأعداد، فمن لا ينتبه ينبهر بفكر أوريجانوس ويتبع فكره في الأمور الأخرى التي تحمل هرطقات فيسقط في هرطقته. واظهر القديس إبيفانيوس لجيروم هرطقات أوريجانوس الموجودة في كتاب المبادئ وبعض التفسيرات الأخرى التي دس فيها أفكاره الهرطوقية، فاقتنع جيروم بذلك، وأثناء تواجدهم في أورشليم علموا ضد أوريجانوس، وهنا بدأت المشكلة بين روفينوس وجيروم. ومع الصراع الشديد في أورشليم بسبب تعاليم أوريجانوس، رحل كل من روفينوس وميلانيا إلى إيطاليا، ومكث هو في دير لمدة سنة، ومكث في بيت ميلانيا مع عائلتها. وترجم روفينوس أغلب أعمال أوريجانوس ونشرها بأموال ميلانيا، وحين ترجم روفينوس كتاب المبادئ اعترف بنفسه أنه حذف بعض الكلمات من كتاب أوريجانوس، وكتب كتاب اعتذار وقال فيه مدافعاً عن فكر أوريجانوس، أن هناك أفكار كثيرة أُدخلت على فكره ولم يستطع إثبات ذلك. وفي عام 400م وجد بطريرك روما "أناسطسيوس" أن روفينوس نشر التعاليم الأوريجانية في روما، فعقد مجمعاً ومنع عنه لقب قديس. وفي عام 408م ذهب إلى دير في جزيرة سيسليا وانشغل بترجمة باقي كتب أوريجانوس. ومات عام 410م. كما ترجم كتابات الآباء الكبادوك القديس باسيليوس، وإغريغوريوس النزينزي، وإغريعوريوس النيصي، وأكمل تاريخ الكنيسة ليوسابيوس القيصري. وترجم أيضاً لفلاسفة رواقيين، لأنه هو شخصياً تتلمذ على هذا الفكر، وهو صاحب أكبر ترجمات ترجمت لأوريجانوس، فكل العهد القديم والجديد ترجمة روفينوس. وله أقوال عن الآباء في مصر، ويصف فيها الرهبنة، ويذكر أنه في الفترة التي زار مصر كان عدد الرهبان الأقباط مساو لعدد الذين في المدن. ونحن حين نقرأ الكتابات التاريخية لابد أن نضع في أذهاننا إنه يحمل إيماناً غير سليم.
يوحنا كاسيان هو من جنوب فرنسا، ولد عام 350م وعاش 90 عاماً، ترهبن عام 380م مع أحد أصدقاءه يُدعي "جيرمانوس"، ثم جاء إلى الأسقيط وظل به 7 سنوات، وألتقي بأعمدة الرهبنة، وكتب "محاورات كاسيان"، وكان صديقاً لأوغريس، وهذا يدل أنه تأثر بالأوريجانية، وترك مصر نتيجة الصراع عام 399م بين البابا ثيؤفيلس، حينما أعلن البابا أنه لابد من التصدي للأوريجانية في نتريا، فترك مصر ومعه ثلاثمائة راهب وتوجهوا إلى القسطنطينية، ورسمه القديس يوحنا ذهبي الفم شماساً في ذلك الوقت. ثم توجه إلى بطريرك روما مع بيلاديويس عام 404م بعد مجمع السنديانة، للتوسط في رفع الحرم عن يوحنا ذهبي الفم. وهناك أرتبط بصداقة شديدة مع شماس البطريرك المدعو "لاون" ـ الذي سيصير فيما بعد البطريرك والذي سيلعب دوراً خبيثاً ضد الكنيسة القبطية وسينشر فكر مخالف للإيمان في خلقيدونية ـ. ورُسم كاهناً عام 415م على مارسيليا في فرنسا، وأسس دير مار فيكتور أو بقطر، وأسس ديراً آخر للراهبات. وقد سقط يوحنا كاسيان في الهرطقة البيلاجية بجانب أفكاره الأورجانية، وتنيح وهو في فرنسا. ووسط هؤلاء يظهر عملاق أخر تصدى للفكر الأورجاني بقوة وكتب تاريخاً موثقاً لهذه الفترة وهو القديس جيروم.
جيروم ولد على حدود إيطاليا، من أسرة رومانية غنية، وعمره 18 عاماً أرسله والده إلى روما لتعلم الفلسفة والبلاغة، وهناك تصادق مع روفينوس. ثم اعتمد، ومكث في دير هو ورفينوس في أكويلا، وحلم أنه أمام مجلس القضاء الإلهي، وجاء إليه ملاك وطرده لأنه ينادي بفكر شيشرون ـ وهو أحد الفلاسفة ـ فأستيقظ وابتدأ يراجع كل أفكاره، ورفض أي فكر فلسفي يعلم به. وذهب إلى أنطاكية عام 377م وهناك أخذ درجة الكهنوت دون ارتباط بكنيسة أي "كاهن عام" وسمع عن القديس إغريغوريوس النزينزي، فذهب إلى القسطنطينية عام 381م ورافقه في مجمع القسطنطينية. وفي عام 382م رافق أسقف أنطاكية في زيارته للقديس إبيفانيوس أسقف سيلاميس، وأدرك القديس إبيفانيوس فكره الأوريجاني، فأخذه وأطلعه على الهرطقات التي في فكر أوريجانوس، وعندها أدرك حقيقة أوريجانوس وأصبح عدواً لأفكاره ومحارباً للحق. ثم طلب منه أسقف روما "دامسيوس" أن يكون كاتباً خاصاً له، وجيروم هو الذي ترجم الكتاب المقدس كله إلى اللاتينية التي تُسمى "الفولجاتا" ولكنه للأسف لم يستند على الترجمة السبعينية، ولكنه اعتمد على ترجمة "سيماخوس". وبعد نياحة بطريرك روما "دامسيوس" اتجهت الأنظار إلى كاتب البطريرك "جيروم" للجلوس على كرسي روما، ولكنهم أشاعوا عنه إن له علاقات نسائية، فترك روما وكتب رسالة قال فيها: "اشكر اللـه الذي أوجدني مستحقاً أن يبغضني الناس، ونسبوا إليّ أعمالاً شائنة، لكن أبواب السماء لا تُفتح وتُغلق بأقوال الناس وأحكامهم". ثم عاد إلى بيت لحم، وجاء إلى مصر ومكث فترة مع القديس ديديموس الضرير، وزار أديرة الصعيد ووادي النطرون، وكتب "تاريخ الرهبان" عام 386م، ثم عاد إلى فلسطين، وظل في بيت لحم وبني ديراً هناك. وفي صراعه مع روفينوس قال: "إن كل هرطقة ظهرت في الكنيسة في القرن الثالث والرابع أصلها هرطقة أوريجانوس". وحدثت مشادة عنيفة بينه وبين روفينوس، وحاول القديس أوغسطينوس أن يتدخل بينهم، ويخفف من حدة الهجوم، فأرسل جيروم رسالة غاضبة جداً إلى القديس أوغسطينوس وقال له: "يجب أن تتكلم بالحق، ولا تأخذ الطرق الوسطي في العقائد". وهذا ما ننادي به اليوم، فالعقيدة والإيمان هي حق وليس فيه طريق وسط. وتصدي للعديد من الهرطقات أيضاً منها البيلاجية، وهرطقة عدم بتولية العذراء. وقد هاج البيلاجيون ونهبوا ديره وحرقوه -وهذا شأن كل الهراطقة أنهم أشرار فليس هناك هرطوقي داخله روح اللـه وسلام المسيح، فكل الهراطقة أشرار وشرسين ـ وتنيح في المغارة التي ولد فيها السيد المسيح عام 420م. ويُقال إنه شفي أسد مريضاً وجده في البرية، وظل هذا الأسد ملازماً له في الدير، لذلك يرسمه الغرب بجواره أسد. وفسر أسفار الكتاب المقدس (الجامعة، إشعياء، رسائل بولس الرسول، إنجيل متي، ولوقا، سفر الرؤيا). وكتب كتاب "مشاهير الرجال" ويعتبر المؤرخ الأعظم في تاريخ الكنيسة، لأنه مدقق جداً، وبارع للغاية. وكتب ضد إيمان يوحنا أسقف أورشليم الأوريجاني، وضد روفينوس المتعصب لأوريجانوس، وضد هولفيدوس الذي نادي بعدم بتولية العذراء، وضد جوفيان، وضد البيلاجية. وحينما جاء إلى مصر، كان برفقة الرحالة "باولا" التي كانت سيدة رومانية شريفة الجنس، وتوفي زوجها، وكبر أبنائها، فأودعت أبنها في رعاية أسقف روما، وزوجت ابنتها، وقد تأثرت بعظات جيروم، وجاءوا معاً لزيارة الآباء في مصر، وزاروا معاً القديس إبيفانيوس، وتقابلوا مع القديس ديديموس الضرير. ويقول جيروم: "انطلقت إلى مصر وقمت بمسح شامل لأديرة نتريا، واقتفيت آثار الأفاعي التي بين جماعات القديسين ـ يقصد من ينشروا فكر أوريجانوس ـ". ويصف في رسالة أرسلها إلى ابنة باولا ويقول: "سأعبر عن المدينة التي تحولت فيها الأرض إلى سماء، وفيها تغتسل يومياً أدناس الكثيرين بفضل الفضيلة". ويتكلم عن والدتها ويقول: "أنها كانت تنطرح عند أقدام القديسين، وكانت تري المسيح في وجوه الآباء الرهبان، أنها كانت تحتمل هذا بحماس شديد، حتى إنها نسيت ضعفها البشري وجنسها. طاقت أن تسكن هي ومن معها وسط الرهبان، ولكن شدة اشتياقها جعلها تعود مرة أخرى إلى أورشليم حيث الأماكن المقدسة". لقد سردت لكم عن هؤلاء المؤرخين الذين صارت كتاباتهم مرجعاً لكثيرين من الدارسين حتى حينما تسمعون اسم روفينوس، وبلاديوس، ويوحنا كاسيان تنتبهوا وتستيقظوا لأنهم لم يكونوا مستقيمي الإيمان وتدركوا جيداً أن الإيمان فوق العاطفة والصداقة والانتماءات والتحزبات، وتأخذوا ما كتبوه في التاريخ ولكن ليس مسلماً، فبالإيمان الأرثوذكسي القويم فقط نخلص. لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين