تاريخ كنيستي (229)
منقول من مقالات القمص انجيلوس جرجس شنودة
البابا يوساب قديس وسط نار الاضطهادات
كانت حياة البابا يوساب الثاني والخمسون وخدمته كراعي للأقباط وبابا الكنيسة القبطية أغلبها آلام وضيقات وتحمل الكثير في فترة خدمته التي استمرت من عام 831- 849م. وقد جلس في عصر المأمون في وقت ثورة البشموريين وحاول المأمون أن يستخدمه مع بطريرك أنطاكية ديونسيوس لإقناع الثوار بتسليم أنفسهم وترحيل أهالي البشموريين من قراهم، وحاول إقناعهم بأن المأمون سيهجم على المنطقة ويبيدهم ولم يسمعوا نصيحته، وبالفعل تمت مجزرة البشموريين عام 832م.
وعاصر البابا يوساب بعد موت المأمون عام 833م عصر المعتصم والواثق الذي في أيامه كان قد عين الوالي إيتاخ الخزري وكان له قصراً في العراق في سامراء وعين نائب له في مصر لإدارة شئونها.
وكانت الكنيسة في عصر البابا يوساب تعاني من خيانة اثنين من الأساقفة أسقف بابليون وأسقف تنيس وقد أرادوا التخلص من البابا عن طريق وشاية للولاة وإلصاق التهم للبابا. وكان المجمع قد أصدر قراراً بتجريدهم وكان أحدهم أسقف بابليون واسمه يوحنا فاستطاع أن يجذب أربعة أساقفة آخرين واتفق معهم على عزل البابا يوساب وتعينه بدلاً منه، فذهبا إلى نائب إيتاخ وأعطاه أموال مقابل أن يصدر أمراً بعزل البابا وكان معه الأربع أساقفة وأخبروه بأنهم موافقون على تعيين يوحنا بدلاً من البابا، فاستدعى نائب الوالي البابا في حضور يوحنا والأربع أساقفة وقال له: "هل أنت رئيس الأقباط؟"، فأجابه: "نعم"، فقال: "ومَنْ جعلك رئيساً لهم؟"، فرد عليه: "تدبير اللـه".
فقال له القاضي: إذا كان ربكم هو من وضعك بطريرك، فأنا سأجعل يوحنا رئيساً للأقباط، وهؤلاء الأساقفة يوافقون على ذلك.
فكلم البابا يوساب الأساقفة الحاضرين باللغة القبطية، وقال لهم: كيف يمكن لكم أن تخونوا الكنيسة، وتجعلوا شخص من الخارج يحكم علينا؟!
فقام أحد الأساقفة بترجمة هذا الكلام من القبطي إلى العربي للقاضي، فضرب القاضي البابا، وقال له: هل تقاوم سلطتي؟
فأجابه البابا: أنني أملك وثيقة من الخليفة المأمون حُررت في أيامه تثبت أنني البابا ورعايتي للكنيسة.
وكان هذا قد حدث وقت "حيدر بن كاوس" حينما أرسل أخوه ليقتل البابا وسط الناس، ولكن الخنجر أصاب ملابس البابا فقط، فأستحضر المأمون البابا يوساب وأعلمه بأنه سيكرمه، بأن يكتب له وثيقة ألا يقف أحد أمام سلطانك.
وفي حوار البابا مع القاضي أخرج الوثيقة، وحينما قرأ القاضي الوثيقة وعليها إمضاء المأمون تركه.
وأثناء ذلك كان ملوك الحبشة والنوبة يرسلون شباب إلى البابا يوساب ليعلمهم ـ كما يحدث الآن يدرسون في الكلية الإكليريكية ثم يعودون إلى بلادهم ليكرزوا ويصيروا كهنة وأساقفة، وقد أنشأ البابا يوساب لهذه المجموعة بيتاً داخل المرقسية لإقامتهم.
فعاد الأسقف المشلوح يوحنا إلى نائب الوالي، وأخبره أن البابا يوساب يستحضر شباباً مسلماً من الحبشة ويقوم بتعميدهم، ويخفيهم في مكان بالكاتدرائية المرقسية، وأن البابا يستقبل أساقفة من أنطاكية أيضاً دون إذن منه وكان بالفعل هناك وفداً من أساقفة أنطاكيين في ضيافة البابا، فأمر باستدعاء البابا والأساقفة الأنطاكيين والشباب الأحباش وكان حاضراً الأسقف المشلوح يوحنا، وسأل نائب الوالي البابا: "من أين هؤلاء الأحباش؟".
فرد البابا: "أنهم شباب مسيحيون من بلاد الحبشة ترسلهم الكنيسة هناك ليتعلموا من كنيستنا القبطية ثم يعودون إلى بلادهم".
فرد نائب الوالي: "أنت تكذب، الأسقف يوحنا يقول إنهم غير مسيحيين وأنت عمدتهم وأخفتهم عندك".
فرد البابا: "أنا لا أكذب، بل هذا الشخص غير أمين وقد جرد من رتبته".
فأمر الجنود أن يضربوا البابا على رأسه بالعصى بكل عنف وكان البابا يحني رأسه، والدم يسيل منه، وينتفوا شعر ذقنه، وكان البابا يردد: أشكرك يا ربي يسوع المسيح على هذه النعمة. وكان منظره يثير الشقفة حتى أن أساقفة أنطاكية كانوا يبكون من هذا المنظر.
وكان الشباب الأحباش ينظرون هذا وهم في حالة رعب، فسألهم نائب الوالي: "هل هذا الرجل أستحضركم من بلادكم وقام بتعميدكم؟".
ـ فأجابوه: لا نحن مسيحيون في الأساس.
ومن خوفهم قالوا له: أننا مسيحيون، ولكننا على استعداد أن نغير ديانتنا.
فنظر القاضي إلى البابا وقال لهم: "أعلنوا الآن أنكم لستم مسيحيون"، فأعلنوا ارتدادهم عن المسيحية.
فنظر البابا إلى الوالي وقال: "الرب يقاضيك، ويحاسبك".
وأرسل هذا القاضي هؤلاء الشباب ليصيروا عبيداً لدي الأعيان والأمراء العرب.
وحينما عاد البابا قال للأساقفة: أن اللـه لن يترك حقناً، وسينتقم من هذا القاضي.
وبالفعل حينما سمع "الواثق" أن هذا القاضي تسبب في العديد من القلاقل، أرسل ليستقصي الحقائق، وبالفعل ثبت أن هذا القاضي سارق ومرتشي، فقاموا بحلق ذقنه، وضربه، وطافوا به على حمار في شوارع الإسكندرية لإهانته، وسجنه الخليفة في بغداد حتى موته.
وبالرغم من الاضطهادات، ولكن تظل الكنيسة قوية وتحمل قوة كبيرة فقد كان البابا يوساب قديساً أعطاه الرب مواهب كثيرة، فقد جاء أحد الأشخاص إلى البابا ليخبره أن ابنه عليه روح نجس، وكل الآباء الذين صلوا عليه، كان الشيطان يصرخ: أنا لن أخرج إلا بأمر البابا يوساب. ولكن هذا الرجل كان في بابليون، وأما البابا فقد كان في الإسكندرية، وأرسل هذا الرجل إلى البابا بأنه لا يريد له أن يتعب ويسافر، ولكن لو أنك كتبت ورقة بإمضائك، نقرأها بأن هناك أمراً من قداستك بإخراج الشيطان من فم البابا يوساب، وبالفعل كتب البابا هكذا: "يوساب الحقير أصغر البطاركة، يأمرك أيها الروح النجس أن تخرج من عبد ربنا يسوع المسيح، ولا تعود له مرة أخرى بقوة الآب والابن والروح القدس الإله الواحد".
وبالفعل أخذ الرجل هذه الورقة، وقرأها على الشيطان، فخرج منه.
وبالرغم من قوة البابا يوساب الروحية، ولكن اللـه سمح له أن يُهان، لأن هناك حسابات عند اللـه، إنه بذلك سيأخذ أكليل، ومن أهان البابا والكنيسة سيُحاسب، اللـه عادل كما قال بولس الرسول: "إذ هو عادل عند اللـه أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً" (2تس1: 6)
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين