********************************************************************************************************
الجزء التالى منقول (أ. هـ ) من
كتاب : تاريخ الخلفاء
المؤلف : عبد الرحمن بن أبي
بكر السيوطي
الناشر : مطبعة السعادة -
مصر
الطبعة الأولى ، 1371هـ -
1952م
تحقيق : محمد محي الدين عبد
الحميد
عدد الأجزاء : 1
*************************************************
مرضه و وفاته و وصيته و استخلافه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما
أخرج سيف و الحاكم عن ابن عمر قال : كان سبب موت أبي بكر وفاة رسول الله صلى
الله عليه و سلم كمد فما زال جسمه يجري حتى مات يجري : أي ينقص و أخرج ابن سعد
و الحاكم بسند صحيح عن ابن شهاب أن أبا بكر و الحارث بن كلدة كانا يأكلان خزيرة
أهديت لأبي بكر فقال الحارث لأبي بكر : ارفع يدك يا خليفة رسول الله و الله إن
فيها لسم سنة و أنا و أنت نموت في يوم واحد فرفع يده فلم يزالا عليلين حتى ماتا
في يوم واحد عند انقضاء السنة
و أخرج الحاكم عن الشعبي قال : ماذا نتوقع من هذه الدنيا الدنية و قد سم رسول
الله صلى الله عليه و سلم و سم أبو بكر ؟
و أخرج الواقدي و الحاكم عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان أول بدء مرض أبي
بكر أنه اغتسل يوم الاثنين لسبع خلون من جمادى الآخرة و كان يوما باردا فحم
خمسة عشر يوما لا يخرج إلى صلاة و توفي ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى
الآخرة سنة ثلاث عشرة و له ثلاث و ستون سنة
و أخرج ابن سعد و ابن أبي الدنيا عن أبي السفر قال : دخلوا على أبي بكر في مرضه
فقالوا : يا خليفة رسول الله : ألا ندعوا لك طبيبا ينظر إليك ؟ قال : قد نظر
إلي فقالوا : ما قال لك ؟ قال : قال : إني فعال لما أريد
و أخرج الواقدي من طرق أن أبا بكر لما ثقل دعا عبد الرحمن بن عوف فقال : أخبرني
عن عمر بن الخطاب ؟ فقال : ما تسألني عن أمر إلا و أنت أعلم به مني فقال أبو
بكر : و إن فقال عبد الرحمن : هو و الله أفضل من رأيك فيه ثم دعا عثمان بن عفان
فقال : أخبرني عن عمر ؟ فقال : أنت أخبرنا به فقال : على ذلك فقال : اللهم علمي
به أن سريرته خير من علانيته و أنه ليس فينا مثله و شاور معهما سعيد بن زيد و
أسيد بن الحضير و غيرهما من المهاجرين و الأنصار فقال أسيد : اللهم أعلمه الخير
بعدك يرضى للرضا و يسخط للسخط الذي يسر خير من الذي يعلن و لن يلي هذا الأمر
أحد أقوى عليه منه
و دخل عليه بعض الصحابة فقال له قائل منهم : ما أنت قائل لربك إذا سألك عن
استخلافك عمر علينا و قد ترى غلظته ؟ فقال أبو بكر : بالله تخوفني ؟ أقول :
اللهم إني استخلفت عليهم خير أهلك أبلغ عني ما قلت من وراءك ثم دعا عثمان فقال
: اكتب [ بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده
بالدنيا خارجا منها و عند أول عهده بالآخرة داخلا فيها حيث يؤمن الكافر و يوقن
الفاجر و يصدق الكاذب إني استخلفت عليكم بعدي عمر بن الخطاب فاسمعوا له و
أطيعوا و إني لم آل الله و رسوله و دينه و نفسي و إياكم خيرا فإن عدل فذلك ظني
به و علمي فيه و إن بدل فلكل امرئ ما اكتسب و الخير أردت و لا أعلم الغيب و
سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته ] ثم
أمر بالكتاب فختمه ثم أمر عثمان فخرج بالكتاب مختوما فبايع الناس و رضوا به ثم
دعا أبو بكر عمر خاليا فأوصاه بما أوصاه ثم خرج من عنده فرفع أبو بكر يديه و
قال : اللهم إني لم أرد بذلك إلا صلاحهم و خفت عليهم الفتنة فعملت فيهم بما أنت
أعلم به و اجتهدت لهم رأيا فوليت عليهم خيرهم و أقواهم عليهم و أحرصهم على ما
أرشدهم و قد حضرني من أمرك ما حضر فاخلفني فيهم فهم عبادك و نواصيهم بيدك أصلح
اللهم ولاتهم و اجعله من خلفائك الراشدين و أصلح له رعيته
وأخرج ابن سعد و الحاكم عن ابن مسعود قال : أفرس الناس ثلاثة : أبو بكر حين
استخلف عمر و صاحبة موسى حين قالت : استأجره و العزيز حين تفرس في يوسف فقال
لامرأته : أكرمي مثواه
و أخرج ابن عساكر عن يسار بن حمزة قال : لما ثقل أبو بكر أشرف على الناس من كوة
فقال : أيها الناس إني قد عهدت عهدا أفترضون به ؟ فقال الناس : رضينا يا خليفة
رسول الله فقام على فقال : لا نرضى إلا أن يكون عمر قال : فإنه عمر
أخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها قالت : إن أبا بكر لما حضرته الوفاة قال : أي
يوم هذا ؟ قالوا : يوم الاثنين قال : فإن مت من ليلتي فلا تنتظروا بي لغد فإن
أحب الأيام و الليالي إلي أقربها من رسول الله صلى الله عليه و سلم
و أخرج مالك عن عائشة رضي الله عنها أن أبا بكر نحلها جداد عشرين وسقا من ماله
بالغاية فلما حضرته الوفاة قال : يا بنية و الله ما من الناس أحب إلي غنى منك و
لا أعز علي فقرا بعدي منك و إني كنت نحلتك جداد عشرين وسقا فلو كنت جددته و
احترزته كان لك و إنما هو اليوم مال وارث و إنما هو أخواك و أختاك فأقسموه على
كتاب الله فقالت : يا أبت و الله لو كان كذا و كذا لتركته إنما هي أسماء فمن
الأخرى ؟ قال : ذو بطن ابنة خارجة أراها جارية و أخرجه ابن سعد و قال في آخره :
ذات بطن ابنة خارجة قد ألقي في روعي أنها جارية فاستوصي بها خيرا فولدت أم
كلثوم
و أخرج ابن سعد عن عروة أن أبا بكر أوصى بخمس ماله و قال : آخذ من مالي ما أخذ
الله من فيء المسلمين
و أخرج من وجه آخر عنه قال : لأن أوصي بالخمس أحب إلي من أن أوصي بالربع و أن
أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث و من أوصى بالثلث لم يترك شيئا
وأخرج سعيد بن منصور في سننه عن الضحاك أن أبا بكر و عليا أوصيا بالخمس من
أموالهما لمن لا يرث من ذوي قرابتهما
و أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عائشة رضي الله عنها قالت : و الله
ما ترك أبو بكر دينارا و لا درهما ضرب الله سكته
و أخرج ابن سعد و غيره عن عائشة رضي الله عنها قالت : لما ثقل أبو بكر تمثلت
بهذا البيت
( لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما و ضاق بها الصدر )
فكشف عن وجهه و قال : ليس كذلك و لك قولي : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما
كنت منه تحيد } انظروا ثوبي هذين فاغسلوهما و كفنوني فيهما فإن الحي أحوج إلى
الجديد من الميت
و أخرج أبو يعلى عن عائشة رضي الله عنها قالت : دخلت على أبي بكر و هو في الموت
فقلت :
( من لا يزال دمعه مقنعا ... فإنه في مرة مدفوق )
فقال : لا تقولي هذا و لكن قولي : { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه
تحيد } ثم قال : في أي يوم توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم ؟ قلت : يوم
الاثنين قال : أرجو فيما بيني و بين الليل فتوفي ليلة الثلاثاء و دفن قبل أن
يصبح
و أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن بكر بن عبد الله المزني قال : لما
احتضر أبو بكر قعدت عائشة رضي الله عنها عند رأسه فقالت :
( و كل ذي إبل يوما سيوردها ... و كل ذي سلب لا بد مسلوب )
ففهمها أبو بكر فقال : ليس كذلك يا ابنتاه و لكنه كما قال الله : { وجاءت سكرة
الموت } الآية
و أخرج أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها تمثلت بهذا البيت و أبو بكر يقضي :
( و أبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل )
فقال أبو بكر : ذاك رسول الله صلى الله عليه و سلم
و أخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن عبادة بن قيس قال : لما حضرت أبا
بكر الوفاة قال لعائشة : اغسلي ثوبي هذين و كفنيني بهما فإنما أبوك أحد رجلين :
إما مكسو أحسن الكسوة أو مسلوب أسوأ السلب
و أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن أبي مليكة أن أبا بكر أوصى أن تغسله امرأته أسماء
بنت عميس و يعينها عبد الرحمن بن أبي بكر
و أخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب أن عمر رضي الله عنه صلى على أبي بكر بين
القبر و المنبر و كبر عليه أربعا
و أخرج عن عروة و القاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول
الله صلى الله عليه و سلم فلما توفي حفر له و جعل رأسه عند كتف رسول الله صلى
الله عليه و سلم و ألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه و سلم
و أخرج عن عروة و القاسم بن محمد أن أبا بكر أوصى عائشة أن يدفن إلى جنب رسول
الله صلى الله عليه و سلم فلما توفي حفر له و جعل رأسه عند كتف رسول الله صلى
الله عليه و سلم و ألصق اللحد بقبر رسول الله صلى الله عليه و سلم
و أخرج عن ابن عمر قال : نزل في حفرة أبي بكر : عمر و طلحة و عثمان و عبد
الرحمن بن أبي بكر
و أخرج من طرق عدة : أنه دفن ليلا
و أخرج عن ابن المسيب أن أبا بكر لما مات ارتجت مكة فقال أبو قحافة : ما هذا ؟
قالوا : مات ابنك قال : رزء جليل من قام بالأمر بعده ؟ قالوا : عمر قال صاحبه
و أخرج عن مجاهد أن أبا قحافة رد ميراثه من أبي بكر على ولد أبي بكر و لم يعش
أبو قحافة بعد أبي بكر إلا ستة أشهر و أياما و مات في المحرم سنة أربع عشرة و
هو ابن سبع وتسعين سنة
قال العلماء : لم يل الخلافة أحد في حياة أبيه إلا أبو بكر و لم يرث خليفة أبوه
إلا أبا بكر
و أخرج الحاكم عن ابن عمر قال : ولي أبو بكر سنتين و سبعة أشهر
و في تاريخ ابن عساكر بسنده عن الأصمعي قال : قال خفاف بن ندبة السلمي يبكي أبا
بكر :
( ليس لحي فاعلمنه بقا ... و كل دنيا أمرها للفنا )
( و الملك في الأقوام مستودع ... عارية فالشرط فيه الأدا )
( و المرء يسعى و له راصد ... تندبه العين و نار الصدا )
( يهرم أو يقتل أو يقهره ... يشكوه سقم ليس فيه شفا )
( إن أبا بكر هو الغيث إن ... لم تزرع الجوزاء بقلا بما )
( تالله لا يدرك أيامه ... ذو مئزر ناش و لا ذو ردا )
( من يسع كي يدرك أيامه ... مجتهدا شذ بأرض فضا )