إنقسمت الإمبراطورية الرومانية الوثنية إلى إمبراطوريتين
(1) الإمبراطورية الروم الشرقية عرفت فيما بعد بإسم الإمبراطورية البيزنطية وعاصمتها القسطنطينية التى سميت بإسم منشئ الإمبراطورية الإمبراطور قسطنطين الكبير الذى إعترف بالمسيحية
(2) الإمبراطورية الرومانية الغربية وإحتفظت بروما عاصمة لها
*********************
تاريخ كنيستي (93)
منقول من مقالات #القمص_أنجيلوس_جرجس
الكنيسة ومفهوم الدولة وضعف إمبراطورية روما
حينما نذكر تاريخ الكنيسة يجب أن نذكر أيضاً تاريخ العالم المحيط بها، لأن الكنيسة تقدم إيمانها وخلاصها وسط عالم فيه سياسات وملوك وقوانين وصراعات، ولكن أخطر شيء أن تستخدم في سياسة العالم. فمن وقت الإمبراطور "قسطنطين" الذي استخدم الكنيسة لترسيخ سلطانه وحاول أن يتحكم في آباء الكنيسة، فأدخل الأمور المدنية والعالمية إلى داخل الكنيسة، وبعد قسطنطين، جاء ابنه "قسطنطينوس" الذي كان أريوسي، وكان مضطهداً للكنيسة الأرثوذكسية، وجعل للتيار الأريوسي إمكانية قوية بوجوده كإمبراطور للشرق. ثم جاء بعده أيضاً "فالنس" الذي كان يصر على أن تكون كل الكنائس القبطية أريوسية، وحاول إخضاع آباء البرية إلى الفكر الأريوسي بعنف وسفك دماء واستخدم سلطانه وجنوده في تغيير الإيمان ولم يستطع لأجل صلابة كنيستنا.
ومنذ القرن الرابع صارت المسيحية ديانة شعبية لكل العالم، فاستخدمها أباطرة وملوك إمبراطورية روما، سواء الشرقية أو الغربية في صالحهم، محاولين التدخل بأهوائهم وأفكارهم وسلطانهم فيها. وإن كان بعض الأباطرة مثل "ثيؤدوسيوس الكبير" نتيجة غيرته على المسيحية، ومحاولته لجعل إمبراطوريته كلها مسيحية، أصدر بعض القرارات ضد الحريات الدينية، والتي بدورها أثارت الشعب الغير مسيحي.
ولكن المسيحية ديانة ليست خاصة بإمبراطورية أو مملكة بعينها، فلا يوجد ما يسمى دولة مسيحية ودولة غير مسيحية، فالمسيحية هي ديانة الخلاص الشخصي وقرار الإيمان بالمسيح لكل من يسعي إلى الخلاص، فأي خلط الديانة بالدولة، سيجعل الدولة تتدخل لاحقاً في الديانة وسيلطخ تاريخ المسيحية بتاريخ الملوك وقرارتهم مثلما سميت حروب استعمارية بالحروب الصليبية وظلت أوروبا في صراع ديني سفك فيه دماء أبرياء لكي يخضع الملوك أراءهم العقيدية والطائفية على شعوب أخرى، بينما المسيحية هي محبة الأعداء والميل الثاني ومحبة الجميع.
وحينما أراد الفريسيين أن يصطادوا السيد المسيح بكلمة ويدخلوه في خلاف سياسي قالوا له: "يا معلم، نعلم أنك صادق ولا تبالي بأحد، لأنك لا تنظر إلى وجوه الناس، بل بالحق تعلم طريق اللـه. أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ نعطي أم لا نعطي؟ فعلم رياءهم، وقال لهم: "لماذا تجربونني؟ ايتوني بدينار لأنظره. فأتوا به. فقال لهم: "لمن هذه الصورة والكتابة؟ فقالوا له: "لقيصر". فأجاب يسوع وقال لهم: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما للـه للـه". فتعجبوا منه" (مر12: 14-17).
وكان هذا كلام قاطع إنه لا يمكن أن تكون هناك مسيحية سياسية. وفي عام 1648م وضع حد لمفهوم الدولة وعدم تدخل الدين في الدولة بعد أن أرهقت الشعوب بحروب دينية مئات السنين ووضعت أوروبا اتفاقيات عرفت بمسمى الدولة الحديثة بعد مؤتمر وستفاليا.
وفي موسوعة لاروس الفرنسية تُعرف الدولة: "أنها مجموعة أفراد يعيشون في أرض محددة ويخضعون لسلطة معينة. وكمفهوم قانوني هي وحدة سياسية لشعب في أرض محددة تحت سلطة قانون متفق عليه".
لذلك يعلم بولس الرسول في رسالته إلى رومية الإصحاح الثالث عشر: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة، لأنه ليس سلطان إلا من اللـه، والسلاطين الكائنة هي مرتبة من اللـه" (رو13: 1). وكان يتكلم عن الخضوع إلى سلطان القانون في أي مكان وهذا هو مفهوم المسيحية للحياة في العالم أننا مسيحيون ونعيش بقوانين المسيحية في العالم ونخضع في ذات الوقت إلى القوانين المدنية كما قال الرب: "ما لقيصر لقيصر وما للـه للـه".
وسنرى في التاريخ كيف استخدمت روما وبيزنطة سلطانهما وقوتهما لفرض عقيدة غير سليمة ـ بعد مجمع خلقيدونية عام 451م ـ والغريب أن سقطت روما بعد ذلك عام 480م وكسر كبريائها، ولم تعد هناك إمبراطورية لروما الغربية. وكانت روما من بداية القرن الثالث في انحدار، نتيجة كم الحروب المتوالية، فلم يكن هناك فترة من الفترات إلا وكانت تخوض حروب، إلى جانب الأوبئة التي انتشرت نتيجة هذه الحروب، ففي عام 265م ولمدة خمس سنوات، انتشرت الكوليرا والتيفويد في روما، لدرجة إنه كان يموت في روما يومياً خمسة آلاف شخص، بجانب بداية تحرك القبائل ـ والتي كانت يطلق عليها باللغة السنكسترية ـ شعوب متبربره، وهي شعوب غير متحضرة، وهم مجموعة قبائل جنوب روسيا، وقبائل شمال إيران، وغرب آسيا، وشرق أوروبا، وبمحاذاة كل ذلك حتي جنوب السويد، هذه كلها كانت قبائل بدائية جداً، ولكنها كانت تحمل قوة عسكرية. وابتدأت هذه القبائل تهاجم الإمبراطورية الرومانية، وتقوم بأعمال السرقة والقرصنة، ومنهم الفايكنج الذين كانوا يسكنون الدول الإسكندنافية حالياً، وكان شعارهم لماذا نزرع ونتعب؟ إن كان يمكننا أن نسرق ونعيش. وظلت روما تحارب هذه القبائل، مع قبائل القوط الشرقية والغربية، والقوط قبائل كانت توجد في جنوب السويد، وبجوارها قبائل الوندال، واللمبارد، والفريزيين، والجيرمان، وقبائل الهون وهي قبائل شرسة للغاية، قادمة من آسيا الصغرى، مع قبائل الجيرمان، وقبائل الأنجلوساكسون، وهم إنجلترا وفرنسا حالياً.
وهذه القبائل هجمت على الإمبراطورية الرومانية، وبدأوا في عمليات السرقة والنهب. وما بين القرن الخامس والثامن، غزت هذه القبائل كل الإمبراطورية الرومانية، وتفككت الإمبراطورية، وتقسمت إلى دول وهي: أوروبا حالياً (إنجلترا، وفرنسا، وإسبانيا، والبرتغال، وألمانيا) هؤلاء كانوا في الأصل قبائل بربرية هجموا على إمبراطورية روما الغربية.
في القرن الثالث ذهبت "القديسة فيرينا" مع الكتيبة الطيبية كموافقة لأقاربها لأعمال التمريض إلى منطقة السويد وفرنسا، حينما أرسلهم "دقلديانيوس" ليخضعوا تمرد القبائل هناك، واستشهدت الكتيبة الطيبية، ومكثت "القديسة فيرينا" في جنوب السويد، والذين كانوا قبائل بدائية، لا تعرف النظافة، وانتشرت بينهم الأمراض، وقد علمتهم القديسة فيرينا النظافة، ولها الآن العديد من التماثيل في ميادين السويد وألمانيا كمعلمة أولى للحضارة، ويصوروها وهي تحمل إناء ومشط، لأنها علمتهم ضرورة الاستحمام والنظافة، لأنهم لم يكونوا في هذه المرحلة قبائل متحضرة.
وفي القرن الأول كانوا يسكنوا منطقة إسكندنافيا، وروسيا الغربية، وحدود آسيا مع أوروبا، وعبروا نهر الراين والدانوب، وكان على الضفة الأخرى شعب في منتهي الرقي، وهم شعب "الكلتيين" وهو شعب متحضر جداً، يعزف الموسيقي، ويكتب الشعر، فهجمت عليه هذه القبائل، واغتصبوا أرضهم، ولأنهم كانوا شعب مسالم، لم يخوضوا حروباً. فتصدي لهم "يوليوس قيصر" وأعادهم إلى الضفة الأخرى من نهر الراين.
وفي منتصف القرن الثالث عبر الجيرمان والقوط نهر الراين، وبدأوا في الضغط على الإمبراطورية الرومانية، وكان ذلك في عصر دقلديانوس، وعلى هذا الأساس أرسل الكتيبة الطيبية لتحارب هذه القبائل.
وفي منتصف القرن الرابع بدأت غزوات قبائل مغولية أسمها "الهون" وهي قبائل شرسة جداً، لدرجة إنهم كانوا يهجمون على المدن، ويذبحوا كل من فيها، ويسرقوها، وينهبوها ويتركوها، فلم يكن هدفهم إنشاء دولة، أو احتلال مكان ليعيشوا فيه، ولكن كان هدفهم السرقة فقط. وغزت قبائل الهون غرب أوروبا، وزحفوا على منطقة أوروبا، لأنهم قد حاولوا أن يذهبوا إلى الصين ومنغوليا الشمالية والهند ولكنهم فشلوا، لأنه في ذلك الوقت الصين قد قامت ببناء سور الصين العظيم، فقبائل الهون ضغطت على منطقة شمال آسيا الغربي، وزحفت عام 355م على بلاد البلقان، وواجهوا الإمبراطورية الرومانية، وهزموا الجيش الروماني عام 378م، وهددوا القسطنطينية أيضاً. ثم غزوا منطقة أوروبا وأطلقوا عليهم في ذلك الوقت "المحاربين الذين فوق الحصان" نظراً لقوتهم، كانوا يحاربون من فوق الأحصنة ويقهروا الأعداء، وأطلق عليهم بعض المؤرخين الرومان "الشياطين الذين لم يقهروا".
وفي هذه المرحلة عام 378م، طلبت قبائل القوط الغربية من "فالنس" أن يسمح لهم عبور نهر الدانوب لأن قبائل الهون يهددوهم، فسمح لهم بشرط أن يصيروا مسيحيون على العقيدة الأريوسية، فوافقوا على شرطه. وكثير من القبائل تركت الوثنية تحت ضغط أباطرة لذلك أصول أوروبا الدينية ليست على عقيدة قوية، بل هم صاروا مسيحيين ليتمكنوا من دخول الإمبراطورية الرومانية والاحتماء فيها، لذلك المسيحية في هذه الأماكن لم تكن قوية، وصارت هناك العديد من الأفكار دخلت إليهم وقبلوها، وقام "يوسابيوس النيقوميدي" برسامة أسقف عليهم عام 331م، يدعي "آلفيلاس" الذي كان الأسير المسيحي الوحيد عندهم وهو من كبدوكية وقد ولد بين القوط الذين يعيشون في شمال الدانوب، وهذا الأسير المسيحي لم يكن يفقه شيئاً في المسيحية ولكنه كان المسيحي الوحيد بينهم فرسمه يوسابيوس الأريوسي. ولم تكن لقبائل القوط لغة كتابة، فكتب لهم الإنجيل بحروف يوناني ولكن بلغتهم، وفي القرن الرابع أثناء كتابته للإنجيل حذف سفر الملوك، والسبب إنه يحتوي على حروب، وهو لا يرغب في الحروب، وهذا يثبت إنه لا يفهم شيء في الكتاب المقدس.
وحدثت مشاكل بين السكان الأصليين للإمبراطورية الرومانية وبين المهاجرين، فذهب "فالنس" لتأديبهم، ولكنه قُتل في معركة أدرنة عام 378م. وكان فالنس يبغي من توطينهم في منطقة بلغاريا.
ثم جاء بعده "ثيؤدوسيوس الكبير" وكان رجلاً حكيماً، ورأي أن وجود هذه القبائل صار حقيقة، لا يمكن صدهم، فعقد مع القوط معاهدة سلام ممثلين في قائدهم فريتبحيرن عام 379م وبقي الطرفان متصالحين حتى موت ثيؤدوسيوس عام 395م، وحدد لهم أماكن داخل الإمبراطورية ليعيشوا فيها. وعاد القوط لمهاجمة بلاد اليونان في عصر ابني ثيؤدوسيوس "هونوريوس" و"أركاديوس". ولم تستقر المنطقة بل استمرت الحروب بين إمبراطورية روما وهذه القبائل لمدة مائة عام انتهت بضياع روما الغربية. وقد يكون هذا لكسر كبرياء هذه الإمبراطورية التي استمدت منها كنيسة روما فكرة سيادتها على العالم بل حاولت إخضاع الكنائس لعقيدة فاسدة في خلقيدونية كما سنرى في مقالات قادمة إن شاء اللـه.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين