Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم عزت اندراوس

انطونيوس الكبير وبولس البسيط

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
أب رهبان العالم
انطونيوس الكبير وبولس البسيط

فيما يلى الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس  THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
*************************************************

الكتاب الأول: الفصل الثالث عشر
(عن انطونيوس الكبير وبولس البسيط)
 

(1/13/1) وسواء أكان المصريون أم غيرهم هم الذين أسسوا هذه الفلسفة، فإن المعتقد به على نحو عام أن انطونيوس([56]) الراهب العظيم قد نما بمنهج الحياة هذه بممارسات أخلاقية ولائقة حتى بلغت ذروة الكمال والدقة.
(1/13/2) لقد انتشرت شهرته فى سائر أرجاء صحارى مصر إلى درجة أن الإمبراطور قنسطنطين بسبب شهرة فضائل هذا الرجل، التمس صداقته وكرَّمه بالمراسلات وحثه على أن يكتب [له] بما يحتاجه.
(1/13/3) لقد كان مصريا بالجنس، وينتمى إلى أسرة عريقة فى "كوما" التى كانت تقع بالقرب من هيراكليا التى على الحدود المصرية. لقد كان شابا بعد عندما فقد والديه، فوهب ميراثه الأبوى لرفقائه القرويين، وباع باقى ممتلكاته ووزع الباقى على المحتاحين لأنه كان يعى أن الفلسفة لا تعنى مجرد ترك الممتلكات بل توزيعها المضبوط. وحصل على اعتراف الرجال المكرسين فى أيامه واحتذى بفضائل الجميع. واعتقادا منه أن ممارسة الصلاح ستكون مبهحة بالتعود، على الرغم من الحماس الخارجى، فإنه تأمل فى أكثر أساليب النسك كثافة، وتراكمت يوما فيوم عن طريق ضبط النفس مثلما كان يُوصِى دائما الذين تحت اشرافه. لقد أخضع ثورات الجسد بالعمل، وألجم أوجاع النفس بمعونة الحكمة الإلهية. كان طعامه الخبز والملح، وشرابه الماء، ولم يكسر صومه قط قبل غروب الشمس. وغالبا ما كان يظل يومان أو ثلاثة بدون أكل. لقد سهر طوال الليل، هكذا يُقال، واستمر فى الصلاة إلى مطلع النهار. وإذا ما غلبه النوم فى أى وقت كان ذلك لفترة قصيرة على حصيرة قصيرة، فلقد كانت الأرض الغبراء فراشه بصفة عامة. لقد رفض عادة التدهن بالزيت، وبالمثل استخدام الحمامات([57])، ووسائل الترف المماثلة لراحة تعب الجسد بالترطب، وقيل أنه لم ير نفسه قط عاريا. لم يكن متعلما ولكنه حاز على فهم جيد إذ كان متقدما فى الحروف ومكتشفا لها. كان وديعا للغاية ومحبا لخير البشر، فطنا وشهما حارا فى المحاورات، ودودا فى المجادلات حتى عندما يستخدم الآخرون الموضوعات الجدلية كمناسبة للنزاع، كان بسلوكه الخاص وبنوع من الذكاء يستمر فى الهدوء عندما يحتدمون، ويردهم إلى الاعتدال وأيضا كان يُلطَف من حمية المجادلين له ويضبط سلوكهم. وعلى الرغم من أنه قد صار بسبب فضائله غير العادية مملوءً من نعمة سبق المعرفة، فإنه لم يعتبر سبق المعرفة بالمستقبل فضيلة، ونصح الآخرين بشدة ألاَّ يمتلكوا هذه الفضيلة، لأنه اعتبر أن أحدا ما لن يُعاقَب أو يُجازَى بحسب جهله أو معرفته للآتيات، لأن البركات الحقيقية تكمن فى عبادة الله وحفظ نواميسه. ولكنه قال إن عرف أى إنسان المستقبل فعليه أن يتطهَّر بإستمرار فى النفس لأنه سيستطيع أن يسير حينئذ فى النور وسيفهم الأمور العتيدة أن تحدث لأن الله سيكشف له المستقبل. إنه لم يسمح لنفسه أبدا أن يكون خاملا، بل حث جميع أولئك الذين بدوا أنهم يرغبون فى حياة صالحة على الاجتهاد فى العمل، وعلى فحص الذات والاعتراف بالخطية أمام ذاك الذى خلق النهار والليل. وكان يحثهم على تسجيل زلاتهم كتابة عندما يضلون كى ما يخجلون من خطاياهم، ويخافون من أن يجدوا خطايا كثيرة مسجلة لأنه سيخاف أن يصل المكتوب إليه فينكشف للناس الآخرين كشخصية فاجرة.
(1/13/4) إنه خلاف الآخرين، جميعا، انبرى للدفاع عن المتألمين بأقصى غيرة ونشاط، وفى حالتهم كان يلجأ حتى إلى المدن، إذ أن كثيرين قد أتوا إليه وألزموه أن يتشفع من أجلهم لدى الحكام ورجال السلطة. ولقد شعر الجميع بالشرف عند رؤيته، وأصغوا بشدة لخطابه واستسلموا لحججه، لكنه فضَّل أن يظل مجهولا ومخفيا فى الصحراء. وعندما كان يُلزَم بالنزول إلى المدينة، لم يتوان قط فى الرجوع سريعا إلى الصحراء بمجرد إنجاز العمل الذى نزل من أجله. لأنه، كما قال، كما أن السمك لا يستطيع أن يعيش خارج المياه، هكذا الصحراء هى العالم الذى أُعِّد للرهبان. وكما أن السمك يموت متى أُلقِّى على اليابس هكذا تفقد الأديرة جاذبيتها متى نزلت إلى العالم. لقد ألزم نفسه بالطاعة والكرم لكل مَن كان يراه، وكان حريصا ألا يدع أو يبدو عليه طبيعة رياء.
(1/13/5) لقد أوردتُ هذا الوصف الموجز عن انطونيوس حتى يمكن تكوين فكرة عن فلسفته عن طريق الاستنتاج من وصف سلوكه فى الصحراء.
(1/13/6) وكان له تلاميذ مشهورين كثيرين، ازدهر بعضهم فى مصر وليبيا، وآخرون فى فلسطين([58]) وسوريا والعربية. ولم يكونوا أقل من معلِّمهم. إذ عاش كل منهم مع مَن سكنوا معه، ونظَّم سلوكهم، وعلَّم الكثيرين، وتوَّجهم بفضائل كثيرة وفلسفة.
(1/13/7) لكن من الصعب على أىّ أحدٍ أن يتتبع رفقاء انطونيوس أو خلفائهم من خلال الاهتمام بالذهاب إلى المدن أو القرى لإكتشافهم. لأنهم رأوا أن الاختفاء يكون أكثر حرارة عن الرجال الباحثين عن الشهرة والصيت والمظهر.
(1/13/8) ولابد أن نروى بترتيب زمنى تاريخ أكثر تلاميذ انطونيوس([59]) شهرة وبصفة خاصة بولس الملَّقب بالبسيط. لقد قيل أنه كان يسكن فى الريف، وكان متزوجا من امرأة جميلة. وحدث أن ضبطها ذات يوم فى فعل زنى، فإندهش وضحك وأكَّد بقسم أنه لن يحيا معها بعد الآن بتاتا. فتركها مع الزانى وذهب للتو للإنضمام إلى انطونيوس فى الصحراء. وأكثر من ذلك يُروَى عنه أنه كان وديعا وصبورا للغاية، وإذ كان مسنا وغير معتاد على الشفاء النسكى قام انطونيوس بإختبار قدراته بطرق عديدة كوافد جديد ولم يتوصل إلى أمر سلبى. وإذ قدَّم دليلا على كمال الفلسفة([60])، أُرسِل ليحيا بمفرده إذ لم يعد فى حاجة إلى معلِّم. وقد صدَّق الله نفسه على شهادة انطونيوس، وأظهَر الرجل كأكثر إنارة بأعماله العظيمة، حتى عن معلّمه فى طرد وإخراج الشياطين([61]).

************

المراجع

[56] - أى القديس انطونيوس الكبير، أول رهبان مصر.
[57] - أى الحمَّامات العامة، آنذاك المليئة بالموبقات.
[58] - مثل القديس هيلاريون، أو إيلاريون (الملقب بأنطونيس فلسطين) أنظر سيرته للمعرب.
[59] - القديس الأنبا انطونيوس الكبير مؤسس النظام الرهبانى فى مصر.
[60] - قلنا أن سوزمينوس كان يرى الرهبنة هى المعرفة الحقيقية لله، ومن هنا عبَّر عنها طوال عمله هذا بالفلسفة. أنظر مقدمة المعرب.
[61] - بالطبع اعتمد سوزمينوس هنا على بالاديوس. أنظر "التاريخ الرهبانى فى أواخر ق4م"، للم

 

 

This site was last updated 10/06/26