الجزء التالى من كتاب: الكامل في التاريخ المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ) تحقيق: عمر عبد السلام تدمري الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997م عدد الأجزاء: 10
**************************************************************************************************************************
ثم دخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة
ذكر قتل الظافر وخلافة ابنه الفائز
في هذه السنة، في المحرم، قتل الظاهر بالله أبو إسماعيل بن الحافظ لدين الله عبد المجيد العلوي، صاحب مصر. (5/55)
وكان سبب قتله أن وزيره عباساً كان له ولد اسمه نصر، فأحبه الظافر، وجعله من ندمائه واحبابه الذين لا يقدر على فراقهم ساعة واحدة، فاتفق أن قدم من الشام مؤيد الدولة الأمير أسامة بن منقذ الكناني في وزارة ابن السلار، واتصل بعباس، فحسن له قتل العادل بن السلار زوج أمه، فقتله، وولاه الظافر الوزارة، فاستبد بالأمر، وتم له ذلك.وعلم الأمراء والأجناد أن ذلك من فعل أبن منقذ، فعزموا على قتله، فخلا بعباس وقال له: كيف تصبر على ما أسمع من قبيح القول؟ قال: وما ذلك؟ قال: الناس يزعمون أن الظافر يفعل بابنك نصر؛ وكان نصر خصيصاً بالظافر، وكان ملازماً له ليله ونهاره، وكان من أجمل الناس صورة، وكان الظافر يتهم به، فانزعج لذلك وعظم عليه، وقال: كيف الحيلة؟ قال: تقتله فيذهب عنك العار؛ فذكر الحال لولده نصر، فاتفقا على قتله .
وقيل أن الظافر أقطع نصر بن عباس قرية قليوب، وهي من أعظم قرى مصر، فدخل إليه مؤيد الدولة بن منقذ، وهو عند أبيه عباس. قال له نصر: قد أقطعني مولانا قرية قليوب. فقال له مؤيد الدولة: ما هي في مهرك بكثير؛ فعظم عليه وعلى أبيه، وأنف من هذه الحال، وشرع في قتل الظافر بأمر أبيه، فحضر نصر عند الظافر وقال له: أشتهي أن تجيء إلى داري لدعوة صنعتها، ولا تكثر من الجمع؛ فمشى معه في نفر يسير من الخدم ليلاً، فلما دخل الدار قتله وقتل من معه، وأفلت خادم صغير اختبأ فلم يروه، ودفن القتلى في داره.
وأخبر أخاه عباساً الخبر، فبكر إلى القصر، وطلب إلى الخدم الخصيصين بخدمة الظافر أن يطلبوا له إذناً في الدخول عليه لأمر يريد أن يأخذ رأيه فيه. فقالوا: إنه ليس في القصر. فقال: لا بد منه. وكان غرضه أن يفني التهمة عنه بقتله، وأن يقتل من بالقصر ممن يخاف أن ينازعه فيمن يقيمه في الخلافة؛ فلما ألح عليهم عجزوا عن إحضاره.
فبينما هم يطلبونه حائرين دهشين لا يدرون ما الخبر إذ وصل إليهم الخادم الصغير الذي شاهد قتله، وقد هرب من دار عباس عند غفلتهم عنه، وأخبرهم بقتل الظافر، فخرجوا إلى عباس، وقالوا له: سل ولدك عنه فإنه يعرف أين هو لأنهما خرجا جميعاً. فلما سمع ذلك منهم قال: أريد أن أعتبر القصر لئلا يكون قد اغتاله أحد من أهله؛ فاستعرض القصر، فقتل أخوين للظافر، وهما يوسف وجبريل، وأجلس الفائز بنصر الله أبا القاسم عيسى ابن الظافر بأمر إسماعيل ثاني يوم قتل أبوه، وله من العمر خمس سنين، فحمله عباس على كتفه وأجلسه على سرير الملك وبايع له الناس، وأخذ عباس من القصر من الأموال والجواهر والأعلاق النفيسة ما أراد، ولم يترك فيه إلا ما لا خير فيه.
ذكر وزارة الصالح طلائع بن رزيك
كان السبب في وزارة الصالح طلائع بن رزيك أن عباساً، لما قتل الظافر وأقام الفائز، ظن أن الأمر لم يتم له على ما يريده، فكان الحال خلاف ما أعتقده، فإن الكلمة اختلفت عليه، وثار به الجند والسودان، وصار إذا أمر بالأمر لا يلتفت إليه ولا يسمع قوله، فأرسل من بالقصر من النساء والخدم إلى الصالح طلائع بن رزيك يستغيثون به، وأرسلوا شعورهم طي الكتب؛ وكان في منية بني خصيب والياً عليها وعلى أعمالها، وليست من الأعمال الجليلة، وإنما كانت أقرب الأعمال إليهم،وكان فيه شهامة، فجمع ليقصد عباساً، وسار إليه، فلما سمع عباس ذلك خرج من مصر نحو الشام بما معه من الأموال التي لا تحصى كثرة، والتحف والأشياء التي لا توجد إلا هناك مما كان أخذه من القصر. فلما سار وقع به الفرنج فقتلوه وأخذوا جميع ما معه فتقووا به.
وسار الصالح فدخل القاهرة بأعلام سود وثياب سود حزناً على الظافر، والشعور التي أرسلت إليه من القصر على رؤوس الرماح، وكان هذا من الفأل العجيب، فإن الأعلام السود العباسية دخلتها وأزالت الأعلام العلوية بعد خمس عشر سنة.
ولما دخل الصالح القاهرة خلع عليه خلع الوزارة، واستقر في الأمر وأحضر الخادم الذي شاهد قتل الظافر، فأراه موضع دفنه، فأخرجه ونقله إلى مقابرهم في القصر.
ولما قتل الفرنج عباساً أسروا ابنه، فأرسل الصالح إلى الفرنج وبذل لهم مالاً وأخذه منهم، فسار من الشام مع أصحاب الصالح، فلم يكلم أحداً منهم كلمة إلى أن رأى القاهرة فأنشد:
بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ... صروف الليالي والجدود العواثر (5/56)
وادخل القصر، فكان أخر العهد به، فإنه قتل، وصلب على باب زويلة، واستقصى الصالح بيوت الكبار والأعيان بالديار المصرية فأهلك أهلها وأبعدهم عن ديارهم، وأخذ أموالهم، فمنهم من هلك ومنهم من تفرق في بلاد الحجاز واليمن وغيرهما؛ فعل ذلك خوفاً من أن يثوروا عليه وينازعوه في الوزارة؛ وكان ابن منقذ قد هرب مع عباس، فلما قتل هرب إلى الشام.
ذكر حصر تكريت ووقعة بكمزا
في هذه السنة أرسل الخليفة المقتفي لأمر الله رسولاً إلى والي تكريت، بسبب من عندهم من المأسورين، وهم ابن الوزير وغيره، فقبضوا على الرسول، فسير الخليفة عسكراً إليهم، فخرج أهل تكريت، فقاتلوا العسكر ومنعوه من الدخول إلى البلد؛ فسار الخليفة بنفسه مستهل صفر فنزل على البلد، فهرب أهله، فدخل العسكر فشعثوا ونهبوا بعضه، ونصب على القلعة ثلاث عشر منجنيقاً، فسقط من أسوارها برج وبقي الحصر كذلك إلى الخامس والعشرين من ربيع الأول.
وأمر الخليفة بالقتال والزحف، فاشتد القتال، وكثر القتلى، ولم يبلغ منها غرضاً فرحل عائداً إلى بغداد، فدخلها أخر الشهر، ثم أمر الوزير عون الدين بن هبيرة بالعود إلى محاصرتها، والاستعداد، والاستكثار من الآلات للحصار، فسار إليها سادس ربيع الآخر، ونازلها وضيق عليها، فوصل الخبر بأن مسعود بلال وصل إلى شهربان ومعه البقش كون خر وترشك في عسكر كثير ونهبوا البلاد، فعاد الوزير إلى بغداد.
وكان سبب وصول هذا العسكر أنهم حثوا الملك محمداً ابن السلطان محمود على قصد العراق، فلم يتهيأ له ذلك، فسير هذا العسكر، وانضاف إليهم خلق كثير من التركمان ، فخرج الخليفة إليهم، فأرسل مسعود بلال إلى تكريت، وأخرج منها الملك أرسلان بن السلطان طغرل بن محمد، وكان محبوساً بتكريت، وقال: هذا السلطان نقاتل بين يديه إزاء الخليفة.
والتقى العسكران عند بكمزا بالقرب من بعقوبا، ودام بينهم المناوشة والمحاربة ثمانية عشر يوماًن ثم إنهم التقوا أخر رجب فاقتتلوا، فانهزمت ميمنة عسكر الخليفة وبعض القلب، حتى بلغت الهزيمة بغداد، ونهبت خزائنه، وقتل خازنه، فحمل الخليفة بنفسه هو وولي عهده وصاح: يا آل هاشم ! كذب الشيطان؛ وقرأ: (ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً)؛ وحمل باقي العسكر معه فانهزم مسعود والبقش وجميع من معهم، وتمت الهزيمة، وظفر الخليفة بهم، وغنم عسكره جميع مال التركمان من دواب وغنم وغير ذلك، فبيع كل كبش بدانق؛ وكانوا قد حضروا بنسائهم وأولادهم وخركاتهم وجميع ما لهم، فأخذ جميعه، ونودي: من أخذ من مال التركمان شيئاً فليرده؛ فردوه، فأخذ البقش كون خر الملك أرسلان، وانهزم إلى البلد اللحف وقلعة الماهكي.
وفي هذه الحرب غدر بنو عوف من عسكر الخليفة، ولحقوا بالعجم، ومضى هندي الكردي أيضاً معهم. وكان الملك محمد قد أرسل عسكراً مع خاص بك بن آقسنقر نجدة لكون خر، فلما وصلوا إلى الراذان بلغهم خبر الهزيمة فعادوا، ورجع الخليفة إلى بغداد فدخلها أوائل شعبان، فوصله الخبر أن مسعود بلال وترشك قصدا مدينة واسط فنهبا وخربا، فسير الخليفة الوزير بن هبيرة في عسكر خامس عشر شعبان، فانهزم العجم، فلقيهم عسكر الخليفة ونب نهم شيئاً كثيراً، وعادوا إلى بغداد، فلقب الوزير سلطان العراق ملك الجيوش.
وسير الخليفة عسكرأ إلى بلد اللحف فأخذه وصار في جملته، وأما الملك ألب أرسلان بن طغرل فإن البقش أخذه معه إلى بلده، فأرسل إليه الملك محمد يقول له ليحضر عنده وأرسلان معه، فمات البقش كون خر في رمضان في هذه السنة، وبقي أرسلان مع ابن البقش وحسن الجاندار، فحملاه إلى الجبل، فخاف الملك محمد أن يصل أرسلان إلى زوج أمه فصار معه، وهو أخو البهلوان بن إيلدكز لأمه، وطغرل الذي قتله خوارزمشاه ولد أرسلان هذا، وكان طغرل آخر السلجوقية.
ذكرملك نور الدين محمود مدينة دمشق
في هذه السنة، في صفر ، نور الدين محمود بن زنكي بن آقسنقر مدينة دمشق، وأخذها من صاحبها مجير الدينأبق بن محمد بن بوري بن طغدكين أتابك. (5/57)
وكان سبب جده في ملكها أن الفرنج لما ملكوا في العام الماضي مدينة عسقلان لم يكن انور الدين طريق إلى أزعاجهم عنها لاعتراض دمشق بينه وبين عسقلان، فلما ملك الفرنج عسقلان طمعوا في دمشق، حتى أنهم استعرضوا كل من بها من مملوك وجارية من النصارى، فمن أراد المقام بها تركوه، ومن أراد العود إلى وطنه أخذوه قهراً شاء صاحبه أم أبى.
وكان لهم على أهلها كل سنة قطيعة يأخذونها منهم، فكان رسلهم يدخلون البلد ويأخذونها منهم، فلما رأى نور الدين ذلك خاف أن يملكها الفرنج فلا يبقى حينئذ بالشام مقام، فأعمل الحيلة في أخذها حيث علم أنها لا تملك قوة، لأن صاحبها متى رأى غلبه راسل الفرنج واستعان بهم فأعانوه لئلا يملكها من يقوى على قتالهم؛ فراسل مجير الدين صاحبها واستماله، وواصله بالهدايا، وأظهر له المودة حتى وثق به فكان نور الدين يقول له في بعض الأوقات: إن فلاناً قد كاتبني في تسليم دمشق؛ يعني بعض أمراء مجير الدين؛ فكان يبعد الذي قيل عنه ويأخذ أقطاعه، فلما لم يبق عنده من الأمراء أحد قدم أميراً يقال له عطا بن حفاظ السلمي الخادم، وكان شهماً شجاعاً، وفوض إليه أمر دولته، فكان نور الدين لا يتمكن معه من أخذ دمشق، فقبض عليه مجير الدين وقتله، فسار نور الدين حينئذ إلى دمشق، وكان قد كاتب من بها من الأحداث واستمالهم، فوعدوه بالتسليم إليه، فلما حصر نور الدين البلد أرسل مجير الدين إلى الفرنج يبذل لهم الأموال وتسليم قلعة بعلبك إليهم لينجدوه وليرحلوا نور الدين عنه، فشرعوا في جمع فارسهم وراجلهم ليرحلوا نور الدين عن البلد، فإلى أن اجتمع لهم ما يريدون تسلم نور الدين البلد، فعادوا بخفي حنين.
وأما كيفية تسليم دمشق فإنه لما حصرها ثار الأحداث الذين راسلهم، فسلموا إليه البلد من الباب الشرقي وملكه، وحصر مجير الدين في القلعة، وراسله في تسليمها وبذل له أقطاعاً من جملته مدينة حمص، فسلمها إليه وسار إلى حمص، ثم إنه راسل أهل دمشق ليسلموا إليه، فعلم نور الدين ذلك فخافه، فأخذ منه حمص، وأعطاه عوضاً عنها بالس، فلم يرضها، وسار منها إلى العراق، وأقام ببغداد وابتنى بها داراً بالقرب من النظامية، وتوفي بها.
ذكر قصد الإسماعيلية خراسان والظفر بهم
في هذه السنة، في ربيع الأخر، اجتمع جمع كثير من الإسماعيلية من قهستان، بلغت عدتهم سبعة آلاف رجل ما بين فارس وراجل، وساروا يريدون خراسان لاشتغال عساكرها بالغز، وقصدوا أعمال خواف وما يجاورها، فلقيهم الأمير فرخشاه بن محمود الكاساني في جماعة من حشمه وأصحابه، فعلم أنه لا طاقة له بهم، فتركهم وسار عنهم، وأرسل إلى الأمير محمد بن أنر، وهو من أكابر أمراء خراسان وأشجعهم، يعرفه الحال، وطلب منه المسير إليهم بعسكره ومن قدر عليه من الأمراء ليجتمعوا عليه ويقاتلوهم.
فسار محمد بن أنر في جماعة من الأمراء وكثير من العسكر، واجتمعوا هم وفرخشاه، وواقعوا الإسماعلية وقاتلوهم، وطالت الحرب بينهم، ثم نصر الله المسلمين وانهزم الإسماعيلية، وكثر القتل فيهم، وأخذهم بالسيف من كل مكان،وهلك أعيانهم وسادتهم: بعضهم قتل، وبعضهم أسر، ولم يسلم منهم إلا القليل الشريد، وخلت قلاعهم وحصونهم من حام ومانع، فلولا أشتغال العساكر بالغز لكانوا ملكوها بلا تعب ولا مشقة، وأراحوا المسلمين منهم، ولكن لله أمر هو بالغه.
ذكر ملك نور الدين تل باشر
في هذه السنة أو التي بعدها، ملك نور الدين محمود بن زنكي قلعة تل باشر، وهي شمالي حلب من أمنع القلاع.
وسبب ملكها أن الفرنج لما رأوا ملك نور الدين دمشق خافوه، وعلموا أنه يقوى عليهم، ولا يقدرون على الانتصاف منه، لما كانوا يرون منه قبل ملكها، فراسله من بهذه القلعة من الفرنج، وبذلوا له تسليمها، فسير إليهم الأمير حسان المنبجي، وهو من أكابر أمراءه، وكان أقطاعه ذلك الوقت مدينة منبج، وهي تقارب تل باشر، وأمره أن يسير إليها ويتسلمها، فسار إليهم وتسلمها منهم، وحصنها ورفع إليها من الذخائر ما يكفيها سنين كثيرة.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة مات أستاذ الدار أبو الفتوح عبد اله بن المظفر ابن رئيس الرؤساء، وكان له صدقات، ومعروف كثير، ومجالسة للفقراء. ولما مات ولى الخليفة ابنه الأكبر عضد الدين أبا الفرج محمد بن عبد الله ما كان إلى أبيه. (5/58)
وتوفي عبد الرحمن بن عبد الصمد بن أحمد بن علي أبو القاسم الأكاف النيسابوري. كان زاهداً، عابداً، فقيهاً، مناظراً، وكان السلطان سنجر يزوره ويتبرك بدعائه، وكان ربما حجبه فلا يمكنه من الدخول إليه.
وفيها توفي ثقة الدولة أبو الحسن علي بن محمد الدويني، وكان يخدم أبا نصر أحمد بن الفرج الأبري، فرباه حتى قيل ابن الأبري، وزوجه ابنته شهدة الكاتبة، فقربه المقتفي لأمر الله، ووكله فبنى مدرسة بباب الأزج.
ثم دخلت سنة خمسين وخمسمائة
في هذه السنة سار الخليفة المقتفي لأمر الله إلى دقوتا فحصرها وقاتل من بها، ثم رحل عنها لأنه بلغه أن عسكر الموصل قد تجهزوا للمسير لمنعه عنها، فرحل ولم يبلغ غرضاً.
وفيها استولى شملة التركماني على خوزستان، وكان قد جمع جمعاً كثيراً من التركمان وسار يريد خوزستان، وصاحبه حينئذ ملكشاه بن محمد، فسير الخليفة إليه عسكراً، فلقيهم شملة في رجب، وقاتلهم، فانهزم عسكر الخليفة، وأسر وجوههم، ثم أحسن إليهم وأطلقهم، وأرسل يعتذر، فقبل عذره، وسار إلى خوزستان فملكها وأزاح عنها ملكشاه ابن السلطان محمود.
وفيها سار الغز إلى نيسابور، فملكوها بالسيف، فدخلوها وقتلوا محمد ابن يحيى الفقيه الشافعي ونحواً من ثلاثين ألفاً، وكان السلطان سنجر له اسم السلطنة، وهو معتقل لا يلتفت إليه، حتى إنه أراد كثيراً من الأيام أن يركب، فلم يكن له من يحمل سلاحه، فشده على وسطه وركب.
وكان إذا قدم له طعام يدخر منه ما يأكله وقتاً آخر، خوفاً من انقطاعه عنه، لتقصيرهم في واجبه، ولأنهم ليس هذا مما يعرفونه.
وفيها وثب قسوس الأرمن بمدينة آني فاخذوها من الأمير شداد وسلموها إلى أخيه فضلون.
وفيها، في ذي الحجة، قتل الأتراك القارغلية طمغاج خان بن محمد بما وراء النهر، وألقوه في الصحراء، ونسبوه ألى أشياء قبيحة؛ وكان مدة ملكه مستضعفاً غير مهيب.
وفيها كان في العراق وما جاوره من البلاد زلزلة كبيرة في ذي الحجة.
وفيها توفي يحيى الغساني النحوي الموصلي وكان فاصلاً خيراً؛ وتاج الدين أبو طاهر يحيى بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري، قاضي جزيرة ابن عمر.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج
ذكر عصيان الجزائر وإفريقية على ملك الفرنج بصقلية وما كان منهم
قد ذكرنا سنة ثمان وأربعين وخمسمائة موت رجار ملك صقلية وملك ولده غليالم، وأنه كان فاسد التدبير، فخرج من حكمه عدة من حصون صقلية.
فلما كان هذه السنة قوي طمع الناس فيه، فخرج عن طاعته جزيرة جربة وجزيرة قرقنة، وأظهروا الخلاف عليه، وخالف عليه أهل إفريقية، فأول من أظهر الخلاف عليه، وخالف عليه أهل إفريقية، فأول من أظهر الخلاف عليه عمر بن أبي الحسين الفرياني بمدينة سفاقس، وكان رجار قد استعمل عليها، لما فتحها، أباه أبا الحسن، وكان من العلماء الصالحين، فأظهر العجز والضعف وقال: استعمل ولدي فاستعمله، وأخذ أباه رهينة إلى صقلية.
فلما أراد المسير إليها قال لولده عمر: إنني كبير السن، وقد قارب أجلي، فمتى أمكنتك الفرصة في الخلاف على العدو فافعل، ولا تراقبهم، ولا تنظر في أنني أقتل واحسب أني قد مت؛ فلما وجد هذه الفرصة دعا أهل المدينة إلى الخلاف وقال: يطلع جماعة منكم إلى السور، وجماعة يقصدون مساكن الفرنج والنصارى جميعهم، ويقتلونهم كلهم. فقالوا له : إن سيدنا الشيخ والدك نخاف عليه. قال: هو أمرني بهذا، وإذا قتل بالشيخ ألوف من الأعداء فما مات؛ فلم تطلع الشمس حتى قتلوا الفرنج عن آخرهم، وكان ذلك أول سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
ثم أتبعه أبو محمد بن مطروح بطرابلس وبعدهما محمد بن رشيد بقابس، وسار عسكر عبد المؤمن إلى بونة فملكها وخرج جميع إفريقية عن حكم الفرنج ما عدا المهدية وسوسة. (5/59)
وأرسل عمر بن إبي الحسين إلى زويلة، وهي مدينة بينها وبين المهدية نحو ميدان، يحرضهم على الوثوب على من معهم فيها من النصارى، ففعلوا ذلك، وقدم عرب البلاد إلى زويلة، فأعانوا أهلها على من بالمهدية من الفرنج، وقطعوا الميرة عن المهدية.فلما اتصل الخبر بغليالم ملك صقلية أحضر أبا الحسين وعرفه ما فعل ابنه، فأمر أن يكتب إليه ينهاه عن ذلك، ويأمره بالعود إلى طاعته، ويخوفه عاقبة فعله، فقال: من قدم على هذا لم يرجع بكتاب؛ فأرسل ملك صقلية إليه رسولاً يتهدده، ويأمره بترك ما ارتكبه، فلم يمكنه عمر من دخول البلد يومه ذلك، فلما كان الغد خرج أهل البلد جميعهم ومعهم جنازة، والرسول يشاهدهم، فدفنوها وعادوا، وأرسل عمر إلى الرسول يقول له: هذا أبي قد دفنته، وقد جلست للعزاء به، فاصنعوا به ما أردتم.
فعاد الرسول إلى غليالم فأخبره بما صنع عمر بن أبي الحسين، فأخذ أباه وصلبه، فلم يزل يذكر الله تعالى حتى مات.
وأما أهل زويلة فإنهم كثر جمعهم بالعرب وأهل سفاقس وغيرهم، فحصروا المهدية وضيقوا عليها، وكانت الأقوات بالمهدية قليلة، فسير إليهم صاحب صقلية عشرين شينياً فيها الرجال والطعام والسلاح، فدخلوا البلد، وأرسلوا إلى العرب وبذلوا لهم مالاً لينهزموا، وخرجوا من الغد، فاقتتلوا هم وأهل زويلة، فانهزمت العرب، وبقي أهل زويلة وأهل سفاقس يقاتلون الفرنج بظاهر البلد، وأحاط بهم الفرنج، فانهزم أهل سفاقس وركبوا في البحر فنجوا، وبقي أهل زويلة، فحمل عليهم الفرنج فانهزموا إلى زويلة، فوجدوا أبوابها مغلقة فقاتلوا تحت السور، وصبروا حتى قتل أكثرهم ولم ينج إلا القليل فتفرقوا، ومضى بعضهم إلى عبد المؤمن.
فلما قتلوا هرب من بها من الحرم والصبيان والشيوخ في البر، ولم يعرجوا على شيء من أموالهم، ودخل الفرنج زويلة وقتلوا من وجدوا فيها من النساء والأطفال، ونهبوا الأموال، واستقر الفرنج بالمهدية إلى أن أخذها عبد المؤمن منهم على ما نذكره إن شاء الله تعالى.
ذكر القبض على سليمان شاه وحبسه بالموصل
في هذه السنة قبض زين الدين علي كوجك نائب قطب الدين مودود ابن زنكي بن آقسنقر، صاحب الموصل، على الملك سليمان شاه ابن السلطان محمد بن ملكشاه عند عمه السلطان سنجر قديماً، وقد جعله ولي عهده، وخطب له في منابر خراسان، فلما جرى لسنجر مع الغز ما ذكرناه، وتقد م على عسكر خراسان، وضعفوا عن الغز، مضى إلى خوارزمشاه فزؤجه ابنة أخيه أقسيس، ثم بلغه عنه ما كرهه فأبعده، فجاء إلى أصفهان فمنعه شحنتها من الدخول، فضى إلى قاشان، فسير إليه محمد شاه ابن أخيه محمود بن محمد عسكراً أبعدوه عنها،فسار إلى خوزستان، فمنعه ملكشاه عنها، فقصد اللحف ونزل البندنيجين، وأرسل رسولاً إلى المقتفي يعلمه بوصوله، وترددت الرسل بينهما، إلى أن أستقر الأمر على أن يرسل زوجته تكون رهينة، فأرسلها إلى بغداد ومعها كثير من الجواري والأتباع، وقال: قد أرسلت هؤلاء رهائن، فإن أذن أمير المؤمنين في دخول بغداد فعلت وإلا رجعت.
فأكرم الخليفة زوجته ومن معها، وأذن له في القدوم إليه، فقدم ومعه عسكر خفيف يبلغون ثلاثمائة رجل، فخرج ولد الوزير ابن هبيرة يلتقيه، ومعه قاضي القضاة والنقيبان، ولم يترجل له ابن الوزير، ودخل بغداد وعلى رأسه الشمسة، وخلع عليه الخليفة، وأقام ببغداد إلى أن دخل المحرم من سنة إحدى وخمسين وخمسمائة فأحضر فيه سليمان شاه إلى دار الخلافة، وأحضر قاضي القضاة والشهود وأعيان العباسيين، وحلف للخليفة على النصح والموافقة ولزوم الطاعة، وأنه لا يتعرض إلى العراق بحال.
فلما حاف خطب له ببغداد ولقب ألقاب أبيه غياث الدنيا والدين وباقي ألقابه، وخلع عليه خلع السلطنة، وسير معه من عسكر بغداد ثلاثة آلاف فارس، وجعل الأمير قويدان صاحب الحلة أمير حاجب معه، وسار نحو بلاد الجبل في ربيع الأول، وسار الخليفة إلى حلوان، وأرسل إلى ملكشاه ابن السلطان محمود اخي السلطان محمد صاحب همذانوغيرها يدعوه إلى موافقته، فقدم في ألفي فارس، فحلف كل منهما لصاحبه وجعل ملكشاه ولي عهد سليمان شاه، وقواهما الخليفة بالمال والأسلحة وغيرها، فساروا واجتمعوا هم وإيلدكز، فصاروا في جمع كبير. (5/60)
فلما سمع السلطان محمد خبرهم أرسل إلى قطب الدين مودود، صاحب الموصل ونائبه زين الدين يطلب منهما المساعدة والمعاضدة، ويبذل لهما البذول الكثيرة إن ظفر، فأجاباه إلى ذلك ووافقا، فقويت نفسه وسار إلى لقاء سليمان شاه ومن اجتمع معه من عساكره، ووقعت الحرب بينهم في جمادى الأولى، واشتد القتال بين الفريقين، فانهزم سليمان شاه ومن معه، وتشتت العسكر ووصل من عسكر الخليفة، وكانوا ثلاثة آلاف رجل، نحو من خمسين رجلاً، ولم يقتل منهم أحد، وإنما أخذت خيولهم وأموالهم، وتشتتوا وجاؤوا متفرقين.
وفارق سليمان شاه إيلدكز وسار نحو بغداد على شهرزور، فخرج إليه زين الدين علي في جماعة من عسكر الموصل، وكان بشهرزور الأمير بزان مقطعاً لها من جهة زين الدين، فخرج زين الدين وسار، فوقفا على طريق سليمان شاه، فأخذاه أسيراً، وحمله زين الدين إلى قلعة الموصل وحبسه بها مكرماً محترماً، إلى أن كان من أمره ما نذكره سنة خمس وخمسين أن شاء الله؛ فلما قبض سليمان شاه أرسل زين الدين إلى السلطان محمود يعرفه ذلك، ووعده المعاضدة على كل ما يريده منه.
ذكر حصر نور الدين قلعة حارم
في هذه السنة سار نور الدين محمود بن زنكي إلى قلعة حارم، وهي للفرنج، ثن لبيمند، صاحب أنطاكية، وهي تقارب أنطاكية من شرقيها، وحصرها وضيق على أهلها، وهي قلعة منيعة في نحور المسلمين، فاجتمعت الفرنج بالقرب منها ومن بعد، وساروا نحوه ليرحلوه عنها.
وكان بالحصن شيطان من شياطينهم يعرفون عقله ويرجعون إلى رأيه، فأرسل إليهم يقول: إننا نقدر على حفظ القلعة، وليس بنا ضعف، فلا تخاطروا أنتم باللقاء، فإنه إن هزمكم أخذها وغيرها، والرأي مطاولته؛ فأرسلوا إليه وصالحوه على أن يعطوه نصف أعمال حارم، فاصطلحوا على ذلك،ورحل عنهم، فقال بعض الشعراء:
ألبست دين محمد يا نوره ... عزاً له فوق السها آساد
ما زلت تشمله بمياد القنا ... حتى تثقف عوده المياد
لم يبق مذ أرهفت عزمك دونه ... عدد يراع به، ولا استعداد
إن المنابر لو تطيق تكلماً ... حمدتك عن خطبائها الأعواد
ملق بأطراف القريحة كلكلاً ... طرفاه ضرب صادق وجلاد
حاموا فلما عاينوا خطب الردى ... حاموا فرائس كيدهم أو كادوا
ورأى البرنس وقد تبرنس ذلة ... حزماً لحارم والمصاد مصاد
من منكر أن ينسف السيل الربى ... وأبوه ذلك العارض المداد
أو أن يعيد الشمس كاسفة السنا ... نار لها ذاك الشهاب زناد
لا ينفع الآباء ما سمكوا من ال ... علياء حتى يرفع الأولاد
وهي طويلة.
ذكر وفاة خوارزم شاه أتسز وغيره من الملوك
في هذه السنة، تاسع جمادى الآخرة، توفي خوارزمشاه أتسز بن محمد أبن أنوشتكين، وكان قد أصابه فالج، فتعالج منه، فلم يبرأ، فاستعمل أدوية شديدة الحرارة بغير أمر الأطباء، فاستد مرضه، وضعفت قوته، فتوفي، وكان يقول عند الموت: (ما أغنى عني ماليه. هلك عني سلطانيه). وكانت ولادته في رجب سنة تسعين وأربعمائة.
ولما توفي ملك بعده ابنه أرسلان، فقتل نفراً من أعمامه، وسمل أخاً له فمات بعد ثلاثة أيام؛ وقيل بل قتل نفسه.
وأرسل إلى السلطان سنجر، وكان قد هرب من أسر الغز، على ما نذكره، ببذل الطاعة والأنقياد، فكتب له منشوراً بولاية خوارزم، وسير له الخلع في رمضان، فبقي في ولايته ساكناً أمناً.
وكان أتسز حسن السيرة، كافأ عن أموال رعيته، منصفاً لهم محبوباً إليهم، مؤثراً للإحسان والخير إليهم، وكان الرعية معه بين أمن غامر وعدل شامل.
وفي سابع عشر الشهر الذكور توفي أبو الفوارس بن محمد بن أرسلان شاه ملك كرمان، وملك بعده ابنه سلجوقشاه.
وفيها توفي الملك مسعود بن قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش، صاحب قونية وما يجاورها من بلاد الروم، وملك بعده ابنه قلج أرسلان.
ذكر هرب السلطان سنجر من الغز (5/61)
في هذه السنة ، في رمضان، هرب السلطان سنجر بن ملكشاه من أسر الغز هو وجماعة من الأمراء الذين معه، وسار إلى ترمذ، واستظهر بها على الغز،وكان خوارزمشاه أتسز بن محمد بن أنوشتكين، والخاقان محمود بن محمد، يقصدان الغز فيقاتلانهم فيمن معهما، فكانت الحرب بينهم سجالاً، وغلب كل واحد من الغز والخراسانيين على ناحية من خراسان، فهو يأكل دخلها، لا رأس لهم يجمعهم.
وسار السلطان سنجر من ترمذ إلى جيحون يريد العبور إلى خراسان، فاتفق أن مقدم الأتراك القارغلية، اسمه علي بك، توفي، وكان أشد شيء على السلطان سنجر وعلى غيره، من سائر الأمم من أقاصي البلاد وأدانيها، وعاد إلى دار ملكه في رمضان؛ فكانت مدة أسره مع الغز من سادس جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين إلى رمضان سنة إحدى وخمسين وخمسمائة.
ذكر البيعة لمحمد بن عبد المؤمن بولاية عهد أبيه
في هذه السنة أمر عبد المؤمن بالبيعة لولده محمد بولاية عهده، وكان الشرط والقاعدة بين عبد المؤمن وبين عمر هنتاني أن يلي عمر الأمر بعد عبد المؤمن؛ فلما تمكن عبد المؤمن من الملك وكثر أولاده أحب أن ينقل الملك إليهم، فأحضر أمراء العرب من هلال ورعبة وعبدي وغيرهم إليه ووصلهم وأحسن إليهم، ووضع عليهم من يقول لهم ليطلبوا من عبد المؤمن، ويقولوا له: نريد أن نجعل لنا ولي عهد من ولدك يرجع الناس إليه بعدك، ففعلوا ذلك، فلم يجبهم إكراماً لعمر هنتاني لعلو منزلته في الموحدين، وقال لهم: إن الأمر لأبي حفص عمر؛ فلما علم عمر ذلك خاف على نفسه، فحضر عند عبد المؤمن وأجاب إلى خلع نفسه، فحينئذ بويع لمحمد بولاية العهد، وكتب إلى جميع بلاده بذلك، وخطب له فيها جميعها، فأخرج عبد المؤمن من الأموال في ذلك اليوم شيئاً كثيراً.
ذكر استعمال عبد المؤمن أولاده على البلاد
في هذه السنة استعمل عبد المؤمن أولاده على البلاد، فاستعمل ولده أبا محمد عبد الله على بجاية وأعمالها؛ واستعمل ابنه ابا الحسن علياً على فاس وأعمالها، واستعمل ابنه ابا حفص عمر على مدينة تلمسان وأعمالها، وولى ابنه ابا سعيد سبتة والجزيرة الخضراء ومالقة؛ وكذلك غيرهم.
ولقد سلك في استعمالهم طريقاً عجيباً، وذلك أنه كان قد استعمل على اللاد شيوخ الموحدين المشهورين من أصحاب المهدي محمد بن تومرت، وكان يتعذر عليه أن يعزلهم، فأخذ أولادهم، وتركهم عنده يشتغلون ي العلوم، فلما مهروا فيها وصاروا يقتدى بهم قال لآبائهم: إني أريد أن تكونوا عندي أستعين بكم على ما أنا بصدده، ويكون ألوادكم في الأعمال لأنهم علماء فقهاء؛ فأجابوا إلى ذلك وهم فرحون مسرورون، فولى أولادهم ثم وضع عليهم بعضهم ممن يعتمد عليه، فقال لهم: إني أرى أمراً عظيماً قد فعلتموه؛ فارقتم فيه الحزم والأدب. فقالوا وما هو؟ فقال: أولادكم في الأعمال وأولاد أمير المؤمنين ليس لهم منها شيء مع ما فيهم من العلم وحسن السياسة، وأني أخاف أن ينظر في هذا فتسقط منزلتكم عنده؛ فعلموا صدق القائل، فحضروا عند عبد المؤمن وقالوا: نحب أن تستعمل على البلاد السادة أولادك. فقال لا أفعل؛ فلم يزالوا به حتى فعل ذلك بسؤالهم.
ذكر حصر السلطان محمد بغداد
في هذه السنة، في ذي الحجة، حصر السلطان محمد بغداد، وسبب ذلك أن السلطان محمد بن محمود كان قد أرسل إلى الخليفة يطلب أن يخطب له ببغداد والعراق، فامتنع الخليفة من إجابته إلى ذلك، فسار من همذان في عساكر كثيرة نحو العراق، ووعده أتابك قطب الدين، صاحب الموصل، ونائبه زين الدين علي بإرسال العساكر إليه نجدة له على حصر بغداد، فقدم العراق في ذي الحجة سنة إحدى وخمسين، واضطرب الناس ببغداد، وأرسل الخليفة يجمع العساكر فأقبل خطلبرس من واسط وعصى أرغش، صاحب البصرة، وأخذ واسط، ورحل مهلهل إلى الحلة فأخذها، واهتم الخليفة وعمن الدين بن هبيرة بأمر الحصار، وجمع جميع السفن وقطع الجسر وجعل الجميع تحت التاج، ونودي، منتصف المحرم سنة اثنتين وخمسين، أن لا يقيم أحد بالجانب الغربي، فأجفل الناس وأهل السواد، ونقلت الأموال إلى حريم دار الخلافة، وخرب الخليفة قصر عيسى والمربعة والقرية والمستجدة والنجمي، ونهب أصحابه ما وجدوا؛ وخرب أصحاب محمد شاه نهر القلابين، والتوثة، وشارع ابن رزق الله وباب الميدان وقطفتا. (5/62)
وأما أهل الكرخ وأهل باب البصرة فإنهم خرجوا إلى عسكر محمد، وكسبوا معهم أموالاً كثيرة.
وعبر السلطان محمد فوق حربي إلى الجانب الغربي، ونهبت أوانا، واتصل به زين الدين هناك، وساروا، فنزل محمد شاه عند الرملة، وفرق الخليفة السلاح على الجند والعامة، ونصب المجانيق والعرادات.
فلما كان في العشرين من المحرم ركب عسكر محمد شاه وزين الدين علي، ووقفوا عند الرقة، ورموا بالنشاب إلى ناحية التاج، فعبر إليهم عامة بغداد فقاتلوهم، ورموهم بالنفط وغيره، ثم جرى بينهم عدة حروب.
وفي ثالث صفر عاودوا القتال، واشتدت الحرب، وعبر كثير من أهل بغداد سباحة وفي السفن، فقتلوا؛ وكان يوماً مشهوداً.
ولم تزل الحرب بينهم كل وقت، وعمل الجسر على دجلة وعبر عليه أكثر العسكر إلى الجانب الشرقي، وصار القتال في الجانبين، وبقي زين الدين في الجانب الغربي، وأمر الخليفة فنودي: كل من جرح فله خمسة دنانير؛ فكان كلما جرح إنسان يحضر عند الوزير فيعطيه خمسة دنانير، فاتفق أن بعض العامة جرح جرحاً ليس بكبير، فحضر يطلب الدنانير، فقال له الوزير ليس هذا الجرح بشيء؛ فعاود القتال، فضرب فانشق جوفه وخرج شيء من شحمه، فحمل إلى الوزير فقال: يامولانا الوزير أيرضيك هذا؟ فضحك منه، وأضعف له، ورتب له من يعالج جراحته إلى أن برىء.
وتعذرت الأقوات في العسكر إلا أن اللحم والفواكه والخضر كثيرة، وكانت الغلات في بغداد كثيرة لأن الوزير كان يفرقها في الجند عوض الدنانير فيبيعونها، فلم تزل الأسعار عندهم رخيصة، إلا أن اللحم والخضر والفاكهة قليلة عندهم.
واشتد الحصار على أهل بغداد لانقطاع المواد عنهم وعدم المعيشة لأهلها؛ وكان زين الدين وعسكر الموصل غير مجدين في القتال لأجل الخليفة والمسلمين؛ وقيل لأن نور الدين محمودبن زنكي، وهو أخو قطب الدين، صاحب الموصل الأكبر، أرسل إلى زين الدين يلومه على قتال الخليفة، ففتر وأقصر.
فلم تزل الحروب في أكثر الأيام، وعمل السلطان محمد أربعمائة سلم ليصعد الرجال فيها إلى السور، وزحفوا، وقاتلوا، ففتح أهل بغداد أبواب البلد وقالوا: أي حاجة بكم إلى السلاليم؟ هذه الأبواب مفتحة فأدخلوا منها؛ فلم يقدروا على أن يقربوها. فبينما الأمر على ذلك إذ وصل الخبر إلى السلطان محمد أن أخاه ملكشاه وإيلدكز، صاحب بلاد آران، ومعه الملك أرسلان ابن الملك طغرل بن محمد، وهو ابن امرأة إيلدكز، قد دخلوا همذان واستولوا عليها، وأخذوا أهل الأمراء الذين مع محمد شاه وأموالهم، فلما سمع محمد شاه ذلك جد في القتال لعله يبلغ غرضاً، فلم يقدر على شيء ورحل عنها نحو همذان في الرابع والعشرين من ربيع الأول سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة.
وعاد زين الدين إلى الموصل، وتفرق ذلك الجمع على عزم العود إذا فرغ محمد شاه من إصلاح بلاده، فلم يعودوا يجتمعون؛ وفي كثرة حروبهم لم يقتل منهم إلا نفر يسير، وإنما الجراح كانت كثيرة، ولما ساروا نهبوا بعقوبا وغيرها من طريق خراسان.
ولما رحل العسكر من بغداد أصاب أهلها أمراض شديدة حادة، وموت كثير للشدة التي مرت بهم؛ وأما ملكشاه وإيلدكز ومن معهما فإنهم ساروا من همذان إلى الري، فخرج إليهم إينانج شحنتها وقاتلهم فهزموه، فأنفذ السلطان محمد الأمير سقمس بن قيماز الحرامي في عسكر نجدة لإينانج، فسار سقمس، وكان إيلدكز وملكشاه ومن معهما قد عادوا من الري يريدون محاصرة الخليفة، فلقيهم سقمس وقاتلهم، فهزموه ونهبوا عسكره وأثقالهم، فاحتاج السلطان محمد إلى الإسراع، فسار، فلما بلغ حلوان بلغه أن إيلدكز بالدينور، وأتاه رسول من نائبه إينانج أنه دخل همذان، وأعاد الخطبة له فيها، فقويت نفسه وهرب شملة،صاحب خوزستان، إلى بلاده، وتفرق أكثر جمع إيلدكز وملكشاه، وبقيا في خمسة آلاف فارس، فعاد إلى بلادهما شبه الهارب.
ولما رحل محمد شاه إلى همذان أراد التجهز لقصد بلاد إيلدكز، فابتدأ به مرض السل، وبقي به إلى أن مات.
ذكر عدة حوادث
في هذه السنة، في ربيع الأول، أطلق أبو البدر ابن الوزير ابن هبيرة من حبس تكريت؛ ولما قدم بغداد خرج أخوه والموكب يتلقونه، وكان يوماً مشهوداً، وكان مقامه في الحبس يزيد على ثلاث سنين. (5/63)
وفيها احترقت بغداد في ربيع الآخر، وكثر الحريق بها، واحترق درب فراشا، ودرب الدواب ودرب اللبان، وخرابة ابن حربة، والظفرية، والخاتونية، ودار الخلافة، وباب الأزج، وسوق السلطان وغير ذلك.
وفيها في شوال، قصد الإسماعيلية طبس في خراسان، فأوقعوا بها وقعة عظيمة، وأسروا جماعة من أعيان دولة السلطان، ونهبوا أموالهم ودوابهم وقتلوا فيهم.
وفيها، في ذي القعدة، توفي شيخ الإسلام أبو المعالي الحسن بن عبيد الله بن أحمد بن محمد المعروف بابن الرزاز بنيسابور، وهو من أعيان الأفاضل.
وفي هذه السنة توفي مريد الدين بن نيسان رئيس آمد والحاكم فيها على صاحبها، وولي ما كان إليه بعده ابنه كمال الدين أبو القاسم.
وفيها توفي أبو الحسن علي بن الحسين الغزنوي، الواعظ المشهور، ببغداد، وكان قدم إليها سنة ستة عشرة وخمسمائة، وكان له قبول عظيم عند السلاطين والعامة والخلفاء، إلا أن المقتفي أعرض عنه بعد موت السلطان مسعود لإقبال السلطان عليه، وكان موته في المحرم.
وتوفي أبو الحسن بن الخل الفقيه الشافعي، شيخ الشافعية ببغداد، وهو من أصحاب أبي بكر الشاشي، وجمع بين العلم والعمل، وكان يؤم بالخليفة في الصلاة.
وتوفي ابن الآمدي الشاعر، وهو من أهل النيل من أعيان الشعراء في طبقة الغزي والأرجاني، وكان عمره قد زاد على تسعين سنة.
وفيها قتل مظفر بن حماد بن أبي الخير صاحب البطيحة، قتله نفيس ابن فضل بن أبي الخير في الحمام، وولي ابنه بعده.
وفيها توفي الوأواء الحلبي الشاعر المشهور.
وفيها، في رمضان، توفي الحكيم أبو جعفر محمد البخاري بأسفرايين، وكان صاحب معرفة بعلوم الحكماء الأوائل.