تاريخ كنيستي (209)
منقول من مقالات : القمص أنجيلوس جرجس شنودة
الأقباط في عصر المأمون العباسي
ملف خاص بثورة البشموريين
كان العباسيين يستنزفون الاقتصاد المصري مثلهم مثل الأمويين، ولكن مع الزمن لم يعد الأقباط يحتملون الضرائب والجزية. وقد تعامل أغلب الولاة العباسيين في عصر المأمون مع الأقباط بعنف شديد فوصلت الجزية إلى أربعة دنانير ذهب لكل رجل، بالإضافة إلى ضريبة الأراضي الزراعية التي وصلت إلى الحصول على ثلثي المحصول.
وحين لا يستطيع القبطي أن يدفع هذا إما يأخذوا أولادهم عبيداً أو يسوقوا الفلاحين الأقباط مربوطين في سلاسل ليعملوا في المطاحن. وهذا بجانب العقاب البدني من جلد وضرب، وكان منهم مَنْ يسوقونهم إلى مناجم الذهب.
وبينما كانت مصر ثمانون في المئة من الشعب القبطي وعشرون في المئة قبائل عربية، ولكنهم كانوا محرومون من المناصب والقيادة، وزاد على هذا عدم اهتمامهم بالأراضي الزراعية والترع والمصارف وضعف مياه النيل في سنوات كثيرة مما زاد من الجوع والفقر على الفلاح القبطي.
وكان الكثير من الولاة يستعيدوا قوانين التميز الديني من ملابس وعدم ركوب الحمير وهدم الكنائس وعدم ترميمها، وعدم بناء كنائس جديدة، ولم يكن الأقباط فقط هم مَنْ عانوا من زيادة الضرائب، ولكن قامت ثورات أيضاً من قبائل عربية لأجل هذا.
ووثق هذه المرحلة من المؤرخين العرب الذين ذكروا هذه الأحداث المؤرخ "الكندي" في كتاب "الولاة" وكتاب "القضاة"، و"المقريزي" في كتاب "المواعظ والاعتبار"، وتاريخ الطبري، و"الكامل في التاريخ" لابن الأثير. ومن الكتاب الغرب مسلمون وأقباط "جاك تاجر"، و"تاريخ مصر في العصور الوسطي" لـ"ستانلي لين بول"، وبالطبع "تاريخ البطاركة" لساويرس بن المقفع.
ولكن أعنف ثورة للأقباط في التاريخ كانت البشموريين، وكما قلنا سابقاً هي منطقة في شمال الدلتا مستنقعات بين رشيد ودمياط. وكلمة "بشمور" بالقبطي تعني الأرض المغطاة بالمياه أو المستنقع. وأهل هذه المنطقة فقراء جداً كما سنرى يعيشون على صيد السمك والزراعة البسيطة. وكان يسكن بجوار هذه المنطقة في منطقة الحوف قبائل عربية انضمت إلى ثورة البشموريين في فترة لأنهم كانوا يعانون أيضاً من الفقر وارتفاع الضرائب، ولكن بعدما أباد المأمون أقباط البشموريين أسكنهم هذه المنطقة أيضاً فتغيرت التركيبة السكانية للمنطقة.
وبدأ المأمون عصره بمشاكل في مصر لقمع أتباع أخيه الأمين من قبائل عربية فعزل الولاة موالين لهذا التيار ولم يستطيعوا السيطرة على التمرد عليه حتى عين الوالي "سري بن الحكم بن يوسف" وأرسله مع أربع آلاف جندي ليحل محل الوالي "عبد المطلب الخزامي".
وكانت في مصر فوضى سياسية بقايا أنصار الأمين في الفسطاط، وثورة من قبائل عربية في الحوف، وأقباط يعانون من تراكم الجزية لمدة ثلاث سنوات بسبب الحرب الأهلية، وضعف مياه النيل. وكان ما يهم هذا الوالي هو جمع الضرائب والجزية المتأخرة حتى أنه استطاع بسياسته العنيفة ضد الأقباط أن يجمع اثنين مليون دينار وأرسلها إلى المأمون في عام واحد، فقد رفع الجزية على الأقباط الأغنياء عشرين في المئة، وسمح للفقراء أن يوردوا القمح والمحاصيل بدلاً من الدنانير المتأخرة، ولكنه في نفس الوقت حتى يشعر الأقباط بالقمع والخوف فقد أعاد قوانين ما يسمى بالعهدة العمرية وأن الأقباط يلبسوا عمامة زرقاء ومنعهم من ركوب الخيل وهدم ثلاث كنائس في الدلتا ومنع بناء كنائس جديدة.
ويذكر ساويرس بن المقفع أن البابا مرقس الثاني ذهب إليه في قصره في الفسطاط وطلب منه تخفيف الجزية على الرهبان في الأديرة وإطلاق ثلاثمائة سجين قبطي مسجونين لأجل عدم دفع الجزية والسماح بترميم كنيسة المعلقة، فرد عليه الوالي "السري": "أنا لا أعادي دينكم، بل أريد خراجاً يرضي أمير المؤمنين، فإن دفعتم فلكم الأمان".
وبعد دفع أموال جمعت من الأراخنة الأقباط والكنائس أطلق سراح مائتي أسير وأعفى رهبان وادي النطرون من الجزية عامين، وسمح بترميم كنيسة المعلقة بعد أن يدفع البابا من أموال الكنيسة خمسمائة دينار. ولأنه كان كل يهمه هو المال فقد أبقى على الموظفين الأقباط في الديوان فأرسل البعض شكاوي للمأمون وثار عليه بعض الجنود ومع زيادة ثورة القبائل العربية ضده فعزله المأمون عام 815م وعينه والياً على اليمن وأرسل بدلاً منه الوالي "سليمان بن غالب" لأنه من قبائل عربية تسكن صعيد مصر، ولكن هذا الوالي حكم مصر مرتين وكانت له قصص غريبة سنرويها المقال القادم إنشاء اللـه.
لإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد آمين