Home Up باقى 136 وخلافة المنصور سنة 137 قتل أبي مسلم الخراساني سنة ثمان وثلاثين ومائة سنة 139 وعبد الرحمن بن معاوية بالأندلس سنة أربعين ومائة سنة 141 و142 سنة 143 و144 سنة خمس وأربعين ومائة سنة ست وأربعين ومائة سنة148 و149 و150 سنة 151 وسنة 154 سنة 156 و158 | | الجزء التالى من كتاب: الكامل في التاريخ المؤلف: أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ) تحقيق: عمر عبد السلام تدمري الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان الطبعة: الأولى، 1417هـ / 1997م عدد الأجزاء: 10 ************************************************************************************************************************** ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة ذكر ظهور محمد بن عبد الله بن الحسن في هذه السنة كان ظهور محمد بن عبد الله نب الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب بالمدينة لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة، وقيل: رابع عشر شهر رمضان. وقد ذكرنا فيما تقدم أخباره وتبعته وحمل المنصور أهله إلى العراق. فلما حملهم وسار بهم رد رياحاً إلى المدينة أميراً عليها، فألح في طلب محمد وضيق عليه وطلبه حتى سقط ابنه فمات، وأرهقه الطلب يوماً فتدلى في بئر بالمدينة يناول أصحابه الماء وانغمس في الماء إلى حلقه، وكان بدنه لا يخفى لعظمه، وبلغ رياحاً خبر محمد وأنه بالمذار، فركب نحوه في جنده، فتنحى محمد عن طريقه واختفى في دار الجهنية، فحيث لم يره رياح رجع إلى دار مروان. وكان الذي أعلم رياحاً سليمان بن عبد الله بن أبي سبرة.(3/26) فلما اشتد الطلب بمحمد خرج قبل وقته الذي واعد أخاه إبراهيم على الخروج فيه، وقيل: بل خرج محمد لميعاده مع أخيه، وإنما أخوه تأخر لجدري لحقه، وكان عبيد الله بن عمرو بن أبي ذئب وعبد الحميد بن جعفر يقولان لمحمد بن عبد الله: ما تنتظر بالخروج ! فوالله ما على هذه الأمة أشأم منك. اخرج ولو وحدك. فتحرك بذلك أيضاً ؟! وأتى رياحاً الخبر أن محمداً خارجٌ الليلة، فأحضر محمد بن عمران بن إبراهيم بن محمد قاضي المدينة، والعباس بن عبد الله بن الحارث بن العباس وغيرهما عنده، صمت طويلاً ثم قال لهم: يا أهل المدينة أمير المؤمنين يطلب محمداً في شرق الأرض وغربها وهو بين أظهركم، وأقسم بالله لئن خرج لأقتلنكم أجمعين ! وقال لمحمد بن عمران: أنت قاضي أمير المؤمنين فادع عشيرتك فأرسل تجمع بني زهرة، فأرسل فجاؤوا في جمع كثير فأجلسهم بالباب، فأرسل فأخذ نفراً من العلويين وغيرهم، فيهم: جعفر بن محمد بن علي بن الحسين، والحسين بن علي بن الحسين بن علي، والحسن بن علي بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي، ورجال من قريش فيهم إسماعيل بن أيوب بن سلمة بن عبد الله بن الوليد بن المغيرة وابنه خالد. فبينما هم عنده إذ ظهر محمد، فسمعوا التكبير، فقال ابن مسلم بن عقبة المري: أطعني في هؤلاء واضرب أعناقهم. فقال له الحسين بن علي ابن الحسين بن علي: والله ما ذاك إليك، إنا لعلى السمع والطاعة. وأقبل محمد من المذار في مائة وخمسين رجلاً، فأتى في بني سلمة بهؤلاء تفاؤلاً بالسلامة، وقصد السجن فكسر بابه وأخرج من فيه، وكان فيهم محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وابن أخي النذير بن يزيد ورزام، فأخرجهم وجعل على الرجالة خوات بن بكير بن خوات بن جبير، وأتى دار الإمارة وهو يقول لأصحابه: لا تقتلوا إلا يقتلوا. فامتنع منهم رياح، فدخلوا من باب المقصورة وأخذوا رياحاً أسيراً وأخاه عباساً وابن مسلم بن عقبة المري فحبسهم في دار الإمارة، ثم خرج إلى المسجد فصعد المنبر فخطب الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنه قد كان من أمر هذا الطاغية عدو الله أبي جعفر ما لم يخف عليكم، من بنائه القبة الخضراء التي بناها معاندةً لله في ملكه وتصغيراً للكعبة الحرام، وإنما أخذ الله فرعون حين قال: " أنا ربّكم الأعلى " النازعات: 24، وإن أحق الناس بالقيام في هذا الدين أبناء المهاجرين والأنصار المواسين، اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك، وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت ! اللهم فاحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تغادر منهم أحداً ! أيها الناس إني والله ما خرجت من بين أظهركم وأنتم عندي أهل قوة ولا شدة، ولكني اخترتكم لنفسي ! والله ما جئت هذه وفي الأرض مصر يعبد الله فيه إلا وقد أخذ لي فيه البيعة ! وكان المنصور يكتب إلى محمد على ألسن قواده يدعونه إلى الظهور ويخبرونه أنهم معه، فكان محمد يقول: لو التقيانا مال إلي القواد كلهم. واستولى محمد على المدينة واستعمل عليها عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى بيت السلاح عبد العزيز الداروردي، وعلى الشرط أبا القلمس عثمان بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة؛ وقيل: كان على شرطه عبد الحميد بن جعفر فعزله. وأرسل محمد إلى محمد بن عبد العزيز: إني كنت لأظنك ستنصرنا وتقوم معنا. فاعتذر إليه وقال: أفعل؛ ثم انسل منه وأتى مكة. ولم يتخلف عن محمد أحد من وجوه الناس إلا نفر، منهم: الضحاك بن عثمان بن عبد الله بن خالد بن حزام، وعبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد، وأبو سلمة ابن عبيد الله بن عبيد الله بن عمر، وحبيب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير. وكان أهل المدينة قد استفتوا مالك بن أنس في الخروج مع محمد وقالوا: إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: إنما بايعتم مكرهين وليس على مكره يمين. فأسرع الناس إلى محمد ولزم مالك بيته. فأرسل محمد إلى إسماعيل بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وكان شيخاً كبيراً، فدعاه إلى بيعته، فقال: يا بن أخي أنت والله مقتول فكيف أبايعك ؟ فارتدع الناس عنه قليلاً.(3/27) وكان بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر قد أسرعوا إلى محمد، فأتت حمادة بنت معاوية إلى إسماعيل بن عبد الله وقالت له: يا عم إن إخوتي قد أسرعوا إلى ابن خالهم، وإنك إن قلت هذه المقالة ثبطت الناس عنه فيقتل ابن خالي وإخوتي. فأبى إسماعيل إلا النهي عنه، فيقال: إن حمادة عدت عليه فقتلته، فأراد محمد الصلاة عليه فمنعه عبد الله بن إسماعيل وقال: أتأمر بقتل أبي وتصلي عليه ؟ فنحاه الحرس وصلى عليه محمد. ولما ظهر محمد كان محمد بن خالد القسري بالمدينة في حبس رياح فأطلقه. وقال ابن خالد: فلما سمعت دعوته التي دعا إليها على المنبر قلت: هذه دعوة حق، والله لأبلين لله فيها بلاء حسناً. فقلت: يا أمير المؤمنين إنك قد خرجت بهذا البلد، والله لو وقف على نقب من أنقابه أحد لمات أهله جوعاً وعطشاً، فانهض معي فإنما هي عشر حتى أضربه بمائة ألف سيف. فأبى علي، فبينا أنا عنده إذ قال: ما وجدنا من خير المتاع شيئاً أجود من شيء وجدناه عند أبن أبي فروة ختن أبي الخصيب، وكان انتهبه، قال: فقلت: ألا أراك قد أبصرت خير المتاع ! فكتبت إلى المنصور فأخبرته بقلة من معه، فأخذني محمد فحبسني حتى أطلقني عيسى بن موسى بعد قتله بأيام. وكان رجل منآل أويس بن أبي سرح العامري، عامر بن لؤي، اسمه الحسين بن صخر بالمدينة لما ظهر محمد، فسار من ساعته إلى المنصور فبلغه في تسعة أيام، فقدم ليلاً فقام على أبواب المدينة فصاح حتى علموا به وأدخلوه، فقال الربيع: ما حاجتك هذه الساعة وأمير المؤمنين نائم؟ قال: لا بد لي منه. فدخل الربيع على المنصور فأخبره خبره وأنه قد طلب مشافهته، فأذن له، فدخل عليه فقال: يا أمير المؤمنين خرج محمد بن عبد الله بالمدينة ! قال: قتلته والله إن كنت صادقاً، أخبرني من معه. فسمى له نن معه من وجوه أهل المدينة وأهل بيته. قال: أنت رأيته وعاينته ؟ قال: أنا رأيته وعاينته وكلمته على منبر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جالساً، فأدخله أبو جعفر بيتاً، فلما أصبح جاء رسولٌ لسعيد بن دينار غلام عيسي بن موسى يلي أمواله بالمدينة فأخبره بأمر محمد، وتواترت عليه أخباره، فأخرج الأويسي، فقال: لأوطئن الرجال عقبيك ولأعيننك ! فأمر له بتسعة آلاف درهم لكل ليلة ألف درهم. وأشفق من محمد فقال له الحارثي المنجم: يا أمير المؤمنين ما يجزعك منه ؟ والله لو ملك الأرض ما لبث إلا تسعين يوماً. فأرسل المنصور إلى عمه عبد الله بن علي، وهو محبوس: إن هذا الرجل قد خرج فإن كان عندك رأي فأشر به علينا، وكان ذا رأي عندهم، فقال: إن المحبوس محبوس الرأي. فأرسل إليه المنصور: لو جاءني حتى يضرب بابي ما أخرجتك، وأنا خير لك منه، وهو ملك أهل بيتك. فأعاد عليه عبد الله: ارتحل الساعة حتى تأتي الكوفة فاجثم على أكبادهم، فإنهم شيعة أهل هذا البيت وأنصارهم، ثم احففها بالمسالح، فمن خرج منها إلى وجه من الوجوه أو أتاها من وجه من الوجوه فاضرب عنقه، وابعث إلى سلم بن قتيبة ينحدر إليك، وكان بالري، واكتب إلى أهل الشام فمرهم أن يحملوا إليك من أهل البأس والنجدة ما حمل البريد فأحسن جوائزهم ووجههم مع سلم. ففعل. وقيل: أرسل المنصور إلى عبد الله مع إخوته يستشيرونه في أمر محمد، وقال لهم: لا يعلم عبد الله أني أرسلتكم إليه. فلما دخلوا عليه قال: لأمرٍ ما جئتم، ما جاء بكم جميعاً وقد هجرتموني مذ دهر ؟ قالوا: إنا استأذنا أمير المؤمنين فأذن لنا. قال: ليس هذا بشيء، فما الخبر؟ قالوا: خرج محمد بن عبد الله. قال: فما ترون ابن سلامة صانعاً ؟ يعني المنصور. قالوا: لا ندري والله. قال: إن البخل قد قتله، فمروه فليخرج الأموال وليعط الأجناد، فإن غلب فما أسرع ما يعود إليه ماله، وإن غلب لم يقدم صاحبه على دينار ولا درهم. ولما ورد الخبر على المنصور بخروج محمد كان المنصور قد خط مدينة بغداد بالقصب، فسار إلى الكوفة ومعه عبد الله بن الربيع بن عبيد الله بن المدان، فقال له المنصور: إن محمداً قد خرج بالمدينة. فقال عبد الله: هلك وأهلك، خرج في غير عدد ولا رجال.(3/28) حدثني سعيد بن عمرو بن جعدة المخزومي قال: كنت مع مروان يوم الزاب واقفاً فقال لي مروان: من هذا الذي يقاتلني ؟ قلت: عبد الله بن علي ابن عبد الله بن عباس. قال: وددت والله أن علي بن أبي طالب يقاتلني مكانه، إن علياً وولده لا حظ لهم في هذا الأمر، وهل هو إلا رجل من بني هاشم وابن رسول الله معه ريح الشام ونصر الشام ؟ يا بن جعدة أتدري ما حملني أن عقدت لعبد الله وعبيد الله بعدي وتركت عبد الملك وهو أكبر من عبدي الله ؟ قال ابن جعدة: لا. قال: وجدت الذي يلي هذا الأمر عبد الله وعبيد الله، وكان عبيد الله أقرب إلى عبد الله من عبد الملك، فعقدت له، فاستحلفه المنصور على صحة ذلك، فحلف له، فسري عنه. ولما بلغ المنصور خبر ظهور محمد قال لأبي أيوب وعبد الملك: هل من رجل تعرفانه بالرأي يجمع رأيه إلى رأينا ؟ قالا: بالكوفة بديل بن يحيى، وكان السفاح يشاوره، فأرسل إليه وقال له: إن محمداً قد ظهر بالمدينة. قال: فاشحن الأهواز بالجنود. قال: إنه ظهر بالمدينة ! قال: قد فهمت وإنما الأهواز الباب الذي تؤتون منه. فلما ظهر إبراهيم بالبصرة قال له المنصور ذلك، قال: فعاجله بالجنود واشغل الأهواز عليه. وشاور المنصور أيضاً جعفر بن حنظلة البهراني عند ظهور محمد، فقال: وجه الجنود إلى البصرة. قال: انصرف حتى أرسل إليك. فلما صار إبراهيم إلى البصرة أرسل إليه فقال له ذلك، فقال: إني خفت بادرة الجنود. قال: وكيف خفت البصرة ؟ قال: لأن محمداً ظهر بالمدينة وليسوا أهل الحرب، بحسبهم أن يقيموا شأن أنفسهم، وأهل الكوفة تحت قدمك، وأهل الشام أعداء آل أبي طالب، فلم يبق إلا البصرة. ثم إن المنصور كتب إلى محمد: بسم الله الرحمن الرحيم " إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسَاداً أنْ يُقَتَّلُوا أوْ يُصَلَّبُوا أوْ تُقَطَّعَ أيْدِيهمْ وَأرْجُلُهُم مِنْ خِلاَفٍ أوْ يُنْفَوْا مَنَ الأرْضِ " المائدة: 33 - 34 الآيتين؛ ولك عهد الله وميثاقه وذمة رسوله أن أؤمنك وجميع ولدك وإخوتك وأهل بيتك ومن اتبعكم على دمائكم وأموالكم، وأسوغك ما أصبت من دم أو مال، وأعطيك ألف ألف درهم وما سألت من الحوائج، وأنزلك من البلاد حيث شئت، وأن أطلق من في حبسي من أهل بيتك، وأن أؤمن كل من جاءك وبايعك واتبعك أو دخل في شيء من أمرك ثم لا أتبع أحداً منهم بشيء كان منه أبداً، فإن أردت أن تتوثق لنفسك فوجه إلي من أحببت يأخذ لك من الأمان والعهد والميثاق ما تتوثق به، والسلام. فكتب إليه محمد: " طسمِ تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤمِنُونَ " إلى: " يَحْذَرُونَ " القصص: 1 - 5 وأنا أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت علي، فإن الحق حقنا وإنما ادعيتم هذا الأمر بنا وخرجتم له بشيعتنا وحظيتم بفضله، فإن أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء ؟ ثم قد علمت أنه لم يطلب الأمر أحد له مثل نسبنا وشرفنا وحالنا وشرف آبائنا، لسنا من أبناء اللعناء ولا الطرداء ولا الطلقاء، وليس يمت أحد من بني هاشم بمثل الذي نمت به من القرابة والسابقة والفضل، وإنا بنو أم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاطمة بنت عمرو في الجاهلية، وبنو بنته فاطمة في الإسلام دونكم. إن الله اختارنا واختار لنا، فوالدنا من النبيين محمد أفضلهم، ومن السلف أولهم إسلاماً علي، ومن الأزواج أفضلهن خديجة الطاهرة وأول من صلى إلى القبلة، ومن البنات خيرهن فاطمة سيدة نساء العالمين وأهل الجنة، ومن المولودين في الإسلام حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وإن هاشماً ولد علياً مرتين، وإن عبد المطلب ولد حسناً مرتين، وإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولدني مرتين من قبل حسن وحسين، وإني أوسط بني هاشم نسباً وأصرحهم أباً، لم تعرق في العجم، ولم تنازع في أمهات الأولاد، فما زال الله يختار لي الآباء والأمهات في الجاهلية والإسلام حتى اختار لي في الأشرار، فأنا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأهونهم عذاباً في النار، ولك الله علي إن دخلت في طاعتي وأجبت دعوتي أن أؤمنك على نفسك ومالك وعلى كل أمر أحدثته إلا حداً من حدود الله أو حقاً لمسلم أو معاهد، فقد علمت ما يلزمني من ذلك.(3/29) وأنا أولى بالأمر منك وأوفى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمان والعهد ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني ؟ أمان ابن هبيرة أم أمان عمك عبد الله بن علي أم أمان أبي مسلم ؟ فلما ورد كتابه على المنصور قال له أبو أيوب المورياني: دعني أجبه عليه. قال: لا إذاً تقارعنا على الأحساب، فدعني وإياه. ثم كتب إليه المنصور: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك، فإذا جل فخرك بقرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، ولأن الله جعل العم أباً، وبدأ به في كتابه على الوالدة الدنيا، ولو كان اختيار الله لهن على قدر قرابتهن كانت آمنة أقربهن رحماً، وأعظمهن حقاً، وأول من يدخل الجنة، ولكن اختيار الله لخلقه على علمه فيما مضى منهم واصطفائه لهم. وأما ما ذكرت من فاطمة أم أبي طالب وولادتها فإن الله لم يرزق أحداً من ولدها الإسلام لا بنتاً ولا ابناً، ولو أن رجلاً رزق الإسلام بالقرابة رزقه عبد الله ولكان أولاهم بكل خير في الدنيا والآخرة، ولكن الأمر لله يختار لدينه من يشاء، قال الله تعالى: " إنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يهدي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أعْلَمُ بِاْلمُهْتَدِينَ " القصص: 56. ولقد بعث الله محمدا، صلى الله عليه وسلم، وله عمومة أربعة، فأنزل الله، عز وجل: " وَأنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ " الشعراء: 214 فأنذرهم ودعاهم، فأجاب اثنان، أحدهما أبي، وأبي اثنان، أحدهما أبوك، فقطع الله ولايتهما منه ولم يجعل بينه وبينهما إلا ولا ذمة ولا ميراثاً. وزعمت أن ابن أخف أهل النار عذاباً وابن خير الأشرار، وليس في الكفر بالله صغير ولا في عذاب الله خفيف ولا يسير، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن يؤمن بالله أن يفخر بالنار، وسترد فتعلم " وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا " الآية الشعراء: 227. وأما أمر حسن وأن عبد المطلب ولده مرتين وأن النبي، صلى الله عليه وسلم، ولدك مرتين، فخير الأولين والآخرين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لم يلده إلا مرة، ولا عبد المطلب إلا مرة. وزعمت أنك أوسط بني هاشم وأصرحهم أماً وأباً، وأنه لم يلدك العجم ولم تعرف فيك أمهات الأولاد، فقد رأيتك فخرت على بني هاشم طراً، فانظر، ويحك، أين أنت من الله غداً ! فإنك قد تعديت طورك وفخرت على من هو خير منك نفساً وأباً وأولاداً وأخاً إبراهيم بن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما خيار بني أبيك خاصة وأهل الفضل منهم إلا بنو أمهات الأولاد، ما ولد فيكم بعد وفاة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفضل من علي بن الحسين، وهو لأم ولد، ولهو خير من جدك حسن بن حسين، وما كان فيكم بعده مثل محمد ابن علي، وجدته أم ولد، ولهو خير من أبيك، ولا مثل ابنه جعفر وجدته أم ولد، وهو خير منك. وأما قولك إنكم بنو رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى يقول في كتابه: " مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أبَا أحَدٍ مِنْ رِجَالِكُم " الأحزاب: 40 ولكنكم بنو بنته، وإنها لقرابة قريبة ولكنها لا يجوز لها الميراث ولا ترث الولاية، ولا يجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها ؟ ولقد طلبها أبوك بكل وجه فأخرج فاطمة نهاراً ومرضها سراً ودفنها ليلاً، فأبى الناس إلا الشيخين، ولقد جاءت السنة التي لا اختلاف فيها من المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورثون. وأما ما فخرت به من علي وسابقته فقد حضرت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الوفاة فأمر غيره بالصلاة ثم أخذ الناس رجلاً بعد رجل فلم يأخذوه، وكان في الستة فتركوه كلهم دفعاً له عنها ولم يروا له حقاً فيها.(3/30) وأما عبد الرحمن فقدم عليه عثمان وهو له متهم، وقاتله طلحة والزبير، وأبي سعد بيعته فأغلق بابه دونه، ثم بايع معاوية بعده، ثم طلبها بكل وجه وقاتل عليها وتفرق عنه أصحابه وشك فيه شيعته قبل الحكومة، ثم حكم حكمين رضي بهما وأعطاهما عهد الله وميثاقه فاجتمعا على خلعه، ثم كان حسن فباعها من معاوية بخرق ودراهم ولحق بالحجاز وأسلم شيعته بيد معاوية ودفع الأمر إلى غير أهله وأخذ مالاً من غير ولاية ولا حله، فإن كان لكم فيها شيء فقد بعتموه وأخذتم ثمنه، ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة فكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بني أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل وأحرقوكم بالنيران ونفوكم من البلدان حتى قتل يحيى بن زيد بخراسان وقتلوا رجالكم وأسروا الصبية والنساء وحملوهم بلا وطاءٍ في المحامل كالسبي المجلوب إلى الشام حتى خرجنا عليهم فطلبنا بثأركم وأدركنا بدمائكم وأورثناكم أرضهم وديارهم وسنينا سلفكم وفضلناه، فاتخذت ذلك عينا حجة وظننت أنا إنما ذكرنا أباك للتقدمة منا له على حمزة والعباس وجعفر، وليس ذلك كما ظننت، ولكن خرج هؤلاء من الدنيا سالمين متسلماً منهم مجتمعاً عليهم بالفضل، وابتلي أبوك بالقتال والحرب، وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلاة المكتوبة، فاحتججنا له وذكرناهم فضله وعنفناهم وظلمناهم بما نالوا منه. فلقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية سقاية الحاج الأعظم وولاية زمزم، فصارت للعباس من بين إخوته، فنازعنا فيها أبوك فقضى لنا عليه عمر، فلم نزل نليها في الجاهلية والإسلام، ولقد قحط أهل المدينة فلم يتوسل عمر إلى ربه ولم يتقرب إليه إلا بأبينا حتى يغيثهم الله وسقاهم الغيث وأبوك حاضر لم يتوسل به، ولقد علمت أنه لم يبق أحد من بني عبد المطلب بعد النبي، صلى الله عليه وسلم، غيره فكانت وراثة من عمومته، ثم طلب هذا الأمر غير واحد من بني هاشم فلم ينله إلا ولده، فالسقاية سقايته، وميراث النبي له، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف ولا فضل في جاهلية ولا إسلام في الدنيا والآخرة إلا والعباس وارثه مورثه. وأما ما ذكرت من بدر فإن الإسلام جاء والعباس يمون أبا طالب وعياله وينفق عليهم للأزمة التي أصابته، ولولا أن العباس أخرج إلى بدر كارهاً لمات طالب وعقيل جوعاً وللحسا جفان عتبة وشيبة، ولكنه كان من المطعمين فأذهب عنكم العار والسبة وكفاكم النفقة والمؤونة، ثم فدى عقيلاً يوم بدر، فكيف تفخر علينا وقد علناكم في الكفر وفديناكم وجزنا عليكم مكارم الآباء وورثنا دونكم خاتم الأنبياء وطلبنا بثأركم فأدركنا منه ما عجزتم عنه، ولم تدركوا لأنفسكم ! والسلام عليكم ورحمة الله. فكان محمد قد استعمل محمد بن الحسن بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب على مكة، والقاسم بن إسحاق على اليمن، وموسى بن عبد الله على الشام؛ فأما محمد بن الحسن والقاسم فسارا إلى مكة، فخرج إليهما السري ابن عبد الله عامل المنصور على مكة فلقيهما ببطن أذاخر فهزماه. ودخل محمد مكة وأقام بها يسيراً، فأتاه كتاب محمد بن عبد الله يأمره بالمسير إليه فيمن معه ويخبره بمسير عيسى بن موسى إليه ليحاربه، فسار إليه من مكة هو والقاسم، فبلغه بنواحي قديد قتل محمد، فهرب هو وأصحابه وتفرقوا، فلحق محمد بن الحسن بإبراهيم فأقام عنده حتى قتل إبراهيم واختفى القاسم بالمدينة حتى أخذت له ابنة عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر، امرأة عيسى، الأمان له ولإخوته معاوية وغيره. وأما موسى بن عبد الله فسار نحو الشام ومعه رزام مولى محمد بن خالد القسري، فانسل منه رزام وسار إلى المنصور برسالة من مولاه محمد القسري، فظهر محمد بن عبد الله على ذلك، فحبس محمداً القسري، ووصل موسى إلى الشام فرأى منهم سوء رد عليه وغلظة، فكتب إلى محمد: أخبرك أني لقيت الشام وأهله، فكان أحسنهم قولاً الذي قال: والله لقد مللنا البلاء وضقنا حتى ما فينا لهذا الأمر موضع ولا لنا به حاجة، ومنهم طائفة تحلف لئن أصبحنا من ليلتنا وأمسينا من غدٍ ليرفعن أمرنا، فكتبت إليك وقد غيبت وجهي وخفت على نفسي. ثم رجع إلى المدينة.(3/31) وقيل: أتى البصرة وأرسل صاحباً له يشتري له طعاماً، فاشتراه وجاء به على حمال أسود فأدخله الدار التي سكنها وخرج، فلم يكن بأسرع من أن كبست الدار وأخذ موسى وابنه عبد الله وغلامه، فأخذوا وحملوا إلى محمد ابن سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، فلما رأى موسى قال: لا قرب الله قرابتكم ولا حيا وجوهكم ! تركت البلاد كلها إلا بلداً أنا فيه، فإن وصلت أرحامكم أغضبت أمير المؤمنين، وإن أطعته قطعت أرحامكم. ثم أرسلهم إلى المنصور، فأمر فضرب موسى وابنه كل واحد خمسمائة سوط، فلم يتأوهوا. فقال المنصور: أعذرت أهل الباطل في صبرهم، فما بال هؤلاء ؟ فقال موسى: أهل الحق أولى بالصبر. ثم أخرجهم وأمر بهم فسجنوا. خبيب بن ثابت بالخاء المعجمة المضمومة، وببائين موحدتين وبينهما ياء مثناة من تحتها. ذكر مسير عيسى بن موسى إلى محمد بن عبد الله وقتله ثم إن المنصور أحضر ابن أخيه عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وأمره بالمسير إلى المدينة لقتال محمد. فقال: شاور عمومتك يا أمير المؤمنين. ثم قال: فأين قول ابن هرثمة: نزور أمرأً لا يمحض القوم سرّه ... ولا ينتجي الأدنين عمّا يحاول إذا ما أتى شيئاً مضى كالذي أتى ... وإن قال إنّي فاعلٌ فهو فاعل فقال المنصور: امض أيها الرجل، فوالله ما يراد غيري وغيرك، وما هو إلا أن تشخص أنت أو أشخص أنا. فسار وسير معه الجنود. وقال المنصور لما سار عيسى: لا أبالي أيهما قتل صاحبه. وبعث معه محمد بن أبي العباس السفاح، وكثير بن حصين العبدي، وابن قحطبة، وهزارمرد وغيرهم، وقال له حين ودعه: يا عيسى إني أبعثك إلى ما بين هذين، وأشار إلى جنبيه، فإن ظفرت بالرجل فأعمد سيفك وابذل الأمان، وإن تغيب فضمنهم إياه فإنهم يعرفون مذابه، ومن لقيك من آل أبي طالب فاكتب إلي باسمه، ومن لم يلقك فاقبض ماله. وكان جعفر الصادق تغيب عنه فقبض ماله، فلما قدم المنصور المدينة قال له جعفر في معنى ماله، فقال: قبضه مهديكم. فلما وصل عيسى إلى فيد كتب إلى الناس في خرق حرير، منهم: عبد العزيز بن المطلب المخزومي، وعبيد الله بن محمد بن صفوان الجمحي، وكتب إلى عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب يأمره بالخروج من المدينة فيمن أطاعه، فخرج هو وعمر بن محمد بن عمر، وأبو عقيل محمد بن عبد الله بن عقيل، وأبو عيسى. ولما بلغ محمداً قرب عيسى من المدينة استشار أصحابه في الخروج من المدينة أو المقام بها، فأشار بعضهم بالخروج عنها، وأشار بعضهم بالمقام بها لقول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: رأيتني في درع حصينة فأولتها المدينة فأقام ثم استشارهم في حفر خندق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال له جابر بن أنس، رئيس سليم: يا أمير المؤمنين نحن أخوالك وجيرانك وفينا السلاح والكراع، فلا تخندق الخندق، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خندق خندقه لما الله أعلم به، وإن خندقته لم يحسن القتال رجالة ولم توجه لنا الخيل بين الأزقة، وإن الذين تخندق دونهم هم الذين يحول الخندق دونهم. فقال أحد بني شجاع: خندق، خندق رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فاقتد به، وتريد أنت أن تدع أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لرأيك ! قال: إنه والله يا بن شجاع ما شيء أثقل عليك وعلى أصحابك من لقائهم، وما شيء أحب من مناجزتهم. فقال محمد: إنما اتبعنا في الخندق أثر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فلا يردني أحد عنه فلست بتاركه. وأمر به فحفر، وبدأ هو فحفر بنفسه الخندق الذي حفره رسول الله، صلى الله عليه وسلم، للأحزاب. وسار عيسى حتى نزل الأعوص، وكان محمد قد جمع الناس وأخذ عليهم الميثاق وحصرهم فلا يخرجون، وخطبهم محمد بن عبد الله فقال لهم: إن عدو الله عدوكم قد نزل الأعوص، وإن أحق الناس بالقيام بهذا الأمر لأبناء المهاجرين والأنصار، ألا وإنا قد جمعناكم وأخذنا عليكم الميثاق، وعدوكم عدد كثير والنصر من الله والأمر بيده، وإنه قد بدا لي أن آذن لكم، فمن أحب منكم أن يقيم أقام، ومن أحب أن يظعن ظعن. فخرج عالم كثير، وخرج ناسٌ من أهل المدينة بذراريهم وأهليهم إلى الأعراض والجبال، وبقي محمد في شرذمة يسيرة، فأمر أبا القلمس برد من قدر عليه، فأعجزه كثير منهم، فتركهم.(3/32) وكان المنصور قد أرسل ابن الأصم مع عيسى ينزله المنازل، فلما قدموا نزلوا على ميل من المدينة، فقال ابن الأصم: إن الخيل لا عمل لها مع الرجالة، وإني أخاف إن كشفوكم كشفة أن يدخلوا عسكركم. فتأخروا إلى سقاية سليمان بن عبد الملك بالجرف، وهي على أربعة أميال من المدينة، وقال: لا يهرول الراجل أكثر من ميلين أو ثلاثة حتى تأخذه الخيل. وأرسل عيسى خمسمائة رجل إلى بطحاء ابن أزهر على ستة أميال من المدينة، فأقاموا بها، وقال: أخاف أن ينهزم محمد فيأتي مكة فيرده هؤلاء؛ فأقاموا بها حتى قتل. وأرسل عيسى إلى محمد يخبره أن المنصور قد آمنه وأهله، فأعاد الجواب: يا هذا إن لك برسول الله، صلى الله عليه وسلم، قرابة قريبة، وإني أدعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بطاعته، وأحذرك نقمته وعذابه، وإني والله ما أنا منصرف عن هذا الأمر حتى ألقى الله عليه، وإياك أن يقتلك من يدعوك إلى الله فتكون شر قتيل، أو تقتله فيكون أعظم لوزرك. فلما بلغته الرسالة قال عيسى: ليس بيننا وبينه إلا القتال. وقال محمد للرسول: علام تقتلونني وإنما رجل فر من أن يقتل ؟ قال: القوم يدعونك إلى الأمان، فإن أبيت إلا قتالهم قاتلوك على ما قاتل عليه خير آبائك عليٌ طلحة والزبير على نثك بيعتهم وكيد ملكه. فلما سمع المنصور قوله قال: ما سرني أنه قال غير ذلك. ونزل عيسى بالجرف لإثنتي عشرة من رمضان يوم السبت، فأقام السبت والأحد وغدا يوم الاثنين فوقف على سلع فنظر إلى المدينة ومن فيها فنادى: يا أهل المدينة إن الله حرم دماء بعضنا على بعض فهلموا إلى الأمان ! فمن قام تحت رايتنا فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، خلوا بيننا وبين صاحبنا فإما لنا وإما له ! فشتموه. وانصرف من يومه، وعاد من الغد وقد فرق القواد من سائر جهات المدينة وأخلى ناحية مسجد أبي الجراح، وهو على بطحان، فإنه أخلى تلك الناحية لخروج من ينهزم، وبرز محمد في أصحابه، وكانت رايته مع عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وكان شعاره: أحد أحد. فبرز أبو القلمس، وهو من أصحاب محمد، فبرز إليه أخو أسد واقتتلوا طويلاً، فقتله أبو القلمس، وبرز إليه آخر فقتله، فقال حين ضربه: خذها وأنا ابن الفاروق. فقال رجل من أصحاب عيسى: قتلت خيراً من ألف فاروق. وقاتل محمد بن عبد الله يومئذ قتالاً عظيماً فقتل بيده سبعين رجلاً، وأمر عيسى حميد بن قحطبة فتقدم في مائة كلهم راجل سواه فزحفوا حتى بلغوا جداراً دون الخندق عليه ناس من أصحاب محمد، فهدم حميد الحائط وانتهى إلى الخندق ونصب عليه أبواباً وعبر هو وأصحابه عليها فجازوا الخندق وقاتلوا من ورائه أشد قتال من بكرة إلى العصر، وأمر عيسى أصحابه فألقوا الحقائب وغيرها في الخندق وجعل الأبواب عليها وجازت الخيل فاقتتلوا قتالاً شديداً، فانصرف محمد قبل الظهر فاغتسل وتحنط ثم رجع، فقال له عبد الله بن جعفر: بأبي أنت وأمي؛ والله ما لك بما ترى طاقة ! فلو أتيت الحسن ابن معاوية بمكة فإن جل أصحابك. فقال: لو خرجت لقتل أهل المدينة، والله لا أرجع حتى أقتل أو أقتل، وأنت مني في سعة فاذهب حيث شئت. فمشى معه قليلاً ثم رجع عنه، وتفرق عنه جل أصحابه حتى بقي في ثلاثمائة رجل يزيدون قليلاً، فقال لبعض أصحابه: نحن اليوم بعدة أهل بدر. وصلى محمد الظهر والعصر، وكان معه عيسى بن خضير وهو يناشده إلا ذهبت إلى البصرة أو غيرها، ومحمد يقول: والله لا تبتلون بي مرتين، ولكن اذهب أنت حيث شئت. فقال ابن خضير: واين المذهب عنك ؟ ثم مضى فأحرق الديوان الذي فيه أسماء من بايعه، وقتل رياح بن عثمان وأخاه عباس بن عثمان وقتل ابن مسلم بن عقبة المري ومضى إلى محمد بن القسري وهو محبوس ليقتله، فعلم به فردم الأبواب دونه، فلم يقدر عليه ورجع إلى محمد فقاتل بين يديه حتى قتل. وتقدم حميد بن قحطبة وتقدم محمد، فلما صار ينظر مسيل سلع عرقب فرسه وعرقب بنو شجاع الخميسيون دوابهم ولم يبق أحد إلا كسر جفن سيفه، فقال لهم محمد: قد بايعتموني ولست بارحاً حتى أقتل، فمن أحب أن ينصرف فقد أذنت له.(3/33) واشتد القتال فهزموا أصحاب عيسى مرتين وثلاثاً، وقال يزيد بن معاوية بن عباس بن جعفر: ويل امه فتحاً لو كان له رجال ! فصعد نفر من أصحاب عيسى على جبل سلع وانحدروا منه إلى المدينة، وأمرت أسماء بنت حسن بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بخمار أسود فرفع على منارة محمد رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال أصحاب محمد: دخلت المدينة، فهربوا، فقال يزيد: لكل قوم جبل يعصمهم، ولنا جبل لا نؤتى إلا منه، يعني سلعاً. وفتح بنو أبو عمرو الغفاريون طريقاً في بني غفار لأصحاب عيسى ودخلوا منه أيضاً وجاؤوا من وراء أصحاب محمد، ونادى محمد حميد بن قحطبة: ابرز إلي فأنا محمد بن عبد الله. فقال حميد: قد عرفتك وأنت الشريف ابن الشريف الكريم ابن الكريم، لا والله لا أبرز إليك وبين يدي من هؤلاء الأغمار أحد، فإذا فرغت منهم فسأبرز إليك. وجعل حميد يدعو ابن خضير إلى الأمان ويشح به على الموت، وابن خضير يحمل على الناس راجلاً لا يصغي إلى أمانه وهو يأخذه بين يديه، فضربه رجل من أصحاب عيسى على أليته فخلها، فرجع إلى أصحابه فشدها بثوب ثم عاد إلى القتال، فضربه إنسان على عينه فغاص السيف وسقط، فابتدروه فقتلوه واحتزوا رأسه وكأنه باذنجانة مفلقة من كثرة الجراح فيه. فلما قتل تقدم محمد فقاتل على جيفته، فجعل يهذ الناس هذاً، وكان أشبه الناس بقتال حمزة. ولم يزل يقاتل حتى ضربه رجل دون شحمة أذنه اليمنى فبرك لركبته وجعل يذب عن نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجرح مظلوم ! فطعنه ابن قحطبة في صدره فصرعه، ثم نزل إليه فاحتز رأسه وأتى به عيسى، وهو لا يعرف من كثرة الدماء. وقيل: إن عيسى اتهم بن قحطبة، وكان في الخيل، فقال له: ما أراك تبالغ. فقال له: أتتهمني ؟ فوالله لأضربن محمداً حين أراه بالسيف أو أقتل دونه. قال: فمر به وهو مقتول فضربه ليبر يمينه. وقيل: بل رمي بسهم وهو يقاتل فوقف إلى جدار فتحاماه الناس، فلما وجد الموت تحامل على سيفه فكسره، وهو ذو الفقار سيف علي، وقيل: بل أعطاه رجلاً من التجار كان معه وله عليه أربعمائة دينار وقال: خذه فإنك لا تلقى أحداً من آل أبي طالب إلا أخذه وأعطاك حقك؛ فلم يزل عنده حتى ولي جعفر بن سليمان المدينة فأخبر به، فأخذ السيف منه وأعطاه أربعمائة دينار ولم يزل معه حتى أخذه منه المهدي، ثم صار إلى الهادي، فجربه على كلب فانقطع السيف، وقيل: بل بقي إلى أيام الرشيد، وكان يتقلده وكان به ثماني عشرة فقارة. ولما أتي عيسى برأس محمد قال لأصحابه: ما تقولون فيه ؟ فوقعوا فيه، فقال بعضهم: كذبتم، ما لهذا قاتلناه، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصا المسلمين وإن كان لصواماً قواماً ! فسكتوا. فأرسل عيسى الرأس إلى المنصور مع محمد بن أبي الكرام بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، وبالبشارة مع القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فأرسل مع رؤوس بني شجاع، فأمر المنصور فطيف برأس محمد في الكوفة وسيره إلى الآفاق؛ ولما رأى المنصور رؤوس بني شجاع قال: هكذا فليكن الناس، طلبت محمداً فاشتمل عليه هؤلاء ثم نقلوه وانتقلوا معه، ثم قاتلوا معه حتى قتلوا. وكان قتل محمد وأصحابه يوم الاثنينبعد العصر لأربع عشرة خلت من شهر رمضان. وكان المنصور قد بلغه أن عيسى قد هزم فقال: كلا، أين لعب أصحابنا وصبياننا بها على المنابر ومشورة النساء ؟ ما أنى لذلك بعد ! ثم بلغه أن محمداً هرب فقال: كلا، إنا أهل بيت لا نفر. فجاءته بعد ذلك الرؤوس. ولما وصل رأس محمد إلى المنصور كان الحسن بن زيد بن الحسن بن علي عنده، فلما رأى الرأس عظيم عليه فتجلد خوفاً من المنصور، وقال لنقيب المنصور: أهو ؟ قال: هو فلذهم، وقال: لوددت أنا الركانة إلى طاعته وأنه لم يكن فعل ولا قال وإلا فأم موسى طالق، وكانت غاية أيمانه، ولكنه أراد قتله، وكانت نفسه أكرم علينا من نفسه، فبصق بعض الغلمان في وجهه، فأمر المنصور بأنفه فكسر عقوبة له. ولما ورد الخبر بقتل محمد على أخيه إبراهيم بالبصرة كان يوم العيد، فخرج فصلى بالناس ونعاه على المنبر وأظهر الجزع عليه، وتمثل على المنبر: يا با المنازل يا خير الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا الله يعلم أنّي لو خشيتهم ... وأوجس القلب من خوف لهم فزعا(3/34) لم يقتلوه ولم أسلم أخي أبداً ... حتّى نموت جميعاً أو نعيش معا ولما قتل محمد أرسل عيسى ألويةً فنصبت في مواضع بالمدينة ونادى مناديه: من دخل تحت لواء منها فهو آمن. وأخذ أصحاب محمد فصلبهم ما بين ثنية الوداع إلى دار عمر بن عبد العزيز صفين ووكل بخشبة ابن خضير من يحفظها، فاحتمله قومٌ من الليل فواروه سراً وبقي الآخرون ثلاثاً، فأمر بهم عيسى، فألقوا على مقابر اليهود، ثم ألقوا بعد ذلك في خندق في أصل ذباب، فأرسلت زينب بنت عبد الله أخت محمد وابنة فاطمة إلى عيسى: إنكم قد قتلتموه وقضيتم حاجتكم منه، فلو أذنتم لنا في دفنه ؟ فأذن لها، فدفن بالبقيع. وقطع المنصور الميرة في البحر إلى المدينة ثم أذن فيها المهدي. ذكر بعض المشهورين ممن كان معه وكان فيمن معه من بني هاشم أخوه موسى بن عبد الله، وحسين وعلي ابنا زيد بن علي بن الحسين بن علي. ولما بلغ المنصور ابني زيد أعانا محمداً عليه قال: عجباً لهما قد خرجا علي وقد قتلنا قاتل أبيهما كما قتله، وصلبناه كما صلبه، وأحرقناه كما أحرقه ! وكان معه حمزة بن عبد الله بن محمد بن الحسين وعلي وزيد ابنا الحسن ابن زيد بن علي بن أي طالب، وكان أبوهما مع المنصور، والحسن ويزيد وصالح بنو معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والقاسم بن إسحاق بن عبد الله بن جعفر، والمرجى علي بن جعفر بن إسحاق بن علي بن عبد الله بن جعفر، وكان أبوه مع المنصور، ومن غيرهم: محمد بن عبد الله بن عمرو ابن سعيد بن العباس، ومحمد بن عجلان، وعبد الله بن عمر بن حفص ابن عاصم، أخذ أسيراً فأتي به المنصور، فقال له: أنت الخارج علي ؟ قال: لم أجد إلا ذلك أو الكفر بما أنزل الله على محمد. وكان معه أبو بكر بن عبد الله بن محمد بن أبي سبرة، وعبد الواحد إبن أبي عون مولى الأزد، وعبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وعبد الحميد بن جعفر، وعبد الله بن عطاء بن يعقوب مولى بني سباع، وإبراهيم وإسحاق وربيعة وجعفر وعبد الله وعطاء ويعقوب وعثمان وعبد العزيز بنو عبد الله بن عطاء، وعيسى ابن خضير، وعثمان بن خضير، وعثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، هرب بعد قتل محمد فأتى البصرة، فأخذ منها وأتي به المنصور، فقال له: هيه يا عثمان ! أنت الخارج علي مع محمد ؟ قال: بايعته أنا وأنت بمكة فوفيت ببيعتي وغدرت بيعتك ! قال: يا ابن اللخناء ! قال: ذاك من قامت عنه الإماء ! يعني المنصور، فأمر به فقتل. وكان مع محمد عبد العزيز بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأخذ أسيراً، فأطلقه المنصور؛ وعبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع، وعلي بن عبد المطلب بن عبد الله بن حنطب، وإبراهيم بن جعفر بن مصعب بن الزبير، وهشام بن عمارة بن الوليد بن عدي بن الخيار، وعبد الله ابن يزيد بن هرمز، وغيرهم ممن تقدم ذكرهم. ذكر صفة محمد والأخبار بقتله كان محمد أسمر شديد السمرة، وكان المنصور يسميه محمماً، وكان سميناً شجاعاً كثير الصوم والصلاة، شديد القوة، وكان يخطب على المنبر، فاعترض في حلقه بلغم فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فذهب ثم عاد فتنحنح فنظر فلم ير موضعاً يبصق فيه فرمى بنخامته في سقف المسجد فألصقها فيه. وسئل جعفر الصادق عن أمر محمد فقال: فتنة يقتل فيها محمد ويقتل أخوه لأبيه وأمه بالعراق وحوافر فرسه في ماء. فلما قتل محمد قبض عيسى أموال بني الحسن كلها وأموال جعفر، فلقي جعفرٌ المنصور فقال له: رد علي قطيعتي من أبي زياد. قال: إياي تكلم بهذا ؟ والله لأزهقن نفسك ! قال: فلا تعجل علي، قد بلغت ثلاثاً وستين سنة وفيها مات أبي وجدي وعلي بن أبي طالب، وعلي كذا وكذا إن ربتك بشيء، وإن بقيت بعدك إن ربت الذي يقوم بعدك. فرق له المنصور ولم يرد عليه قطيعته، فردها المهدي على ولده. وقال محمد لعبد الله بن عامر الأسلمي: تغشانا سحابة فإن أمطرتنا ظفرنا وإن تجاوزتنا إليهم فانظر إلى دمي عند أحجار الزيت. قال: فوالله لقد أظلتنا سحابة فلم تمطرنا، وتجاوزنا إلى عيسى وأصحابه فظفروا وقتلوا محمداً ورأيت دمه عند أحجار الزيت. وكان قتله يوم الاثنين لأربع عشرة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة. وكان يلقب المهدي والنفس الزكية.(3/35) ومما رثي به هو وأخوه قول عبد الله بن مصعب بن ثابت: يا صاحبيّ دعا الملامة واعلما ... أن لست في هذا بألوم منكما وقفا بقبر للنبيّ فسلّما ... لا بأس أن تقفا به وتسلّما قبر تضمّن خير أهل زمانه ... حسباً وطيب سجيّةٍ وتكرّما رجلٌ نفى بالعدل جور بلادنا ... وعفا عظيمات الأمور وأنعما لم يجتنب قصد السبيل ولم يجر ... عنه ولم يفتح بفاحشةٍ فما لو أعظم الحدثان شيئاً قبله ... بعد النبيّ به لكنت المعظّما أو كان أمتع بالسلامة قبله ... أحداً لكان قصاره أن يسلما ضحّوا بإبراهيم خير ضحيّة ... فتصرّمت أيّامه فتصرّما بطلاً يخوض بنفسه غمراته ... لا طائشاً رعشاَ ولا مستسلما حتّى مضت فيه السيوف وربّما ... كانت حتوفهم السيوف وربّما أضحى بنو حسنٍ أبيح حريمهم ... فينا وأصبح نهبهم متقسّما ونساؤهم في دورهنّ نوائح ... سجع الحمام إذا الحمام ترنّما يتوسلون بقتله ويرونه ... شرفاً لهم عند الإمام ومغنما والله لو شهد النبيّ محمّدٌ ... صلّى الاله على النبيّ وسلّما إشراع أمّته الأسنّة لابنه ... حتّى تقطّر من ظباتهم دما حقّاً لأيقن أنّهم قد ضيّعوا ... تلك القرابة واستحلّوا المحرّما ولما قتل محمد قام عيسى بالمدينة أياماً ثم سار عنها صبح تسع عشرة خلت من رمضان يريد مكة معتمراً، واستخلف على المدينة كثير بن حصين، فأقام بها شهراً ثم استعمل المنصور عليه عبد الله بن الربيع الحارثي. ذكر وثوب السودان بالمدينة وفيها ثار السودان بالمدينة على عاملها عبد الله بن الربيع الحارثي فهرب منهم. وسبن ذلك أن المنصور استعمل عبد الله بن الربيع على المدينة وقدمها لخمس بقين من شوال، فنازع جنده التجار في بعض ما يشترونه منهم، فشكا ذلك التجار إلى ابن الربيع، فانتهرهم وشتمهم، فتزايد طمع الجند فيهم فعدوا على رجل صيرفي فنازعوه كيسه، فاستعان بالناس فخلص ماله منهم، وشكا أهل المدينة ذلك منهم، فلم ينكره ابن الربيع، ثم جاء رجلٌ من الجند فاشترى من جزار لحماً يوم جمعة ولم يعطه ثمنه وشهر عليه السيف، فضربه الجزار بشفرة في خاصرته فقتله، واجتمع الجزارون وتنادى السودان على الجند وهم يروحون إلى الجمعة فقتلوهم بالعمد، ونفخوا في بوق لهم، فسمعه السودان من العالية والسافلة فأقبلوا واجتمعوا، وكان رؤساؤهم ثلاثة نفر: وثيق، ويعقل، وزمعة، ولم يزالوا على ذلك من قتل الجند حتى أمسوا. فلما كان الغد قصدوا ابن الربيع فهرب منهم وأتى بطن نخل على ليلتين من المدينة فنزل به، فانتهبوا طعاماً للمنصور وزيتاً وقسباً فباعوا حمل الدقيق بدرهمين، وراوية الزيت بأربعة دراهم. وسار سليمان بن مليح ذلك اليوم إلى المنصور فأخبره.(3/36) وكان أبو بكر بن أبي سبرة في الحبس قد أخذ مع محمد بن عبد الله فضرب وحبس مقيداً، فلما كان من السودان ما كان خرج في حديده من الحبس فأتى المسجد فأرسل إلى محمد بن عمران ومحمد بن عبد العزيز وغيرهما فأحضرهم عنده فقال: أنشدكم الله وهذه البلية التي وقعت ! فوالله إن ثبتت علينا عند أمير المؤمنين بعد الفعلة الأولى إنه لهلاك البلد وأهله والعبيد في السوق بأجمعهم، فاذهبوا إليهم فكلموهم في الرجعة والعود إلى رأيكم فإنهم أخرجتهم الحمية. فذهبوا إلى العبيد فكلموهم، فقالوا: مرحباً بموالينا، والله ما قمنا إلا أنفةً مما عمل بكم، فأمرنا إليكم؛ فأقبلوا بهم إلى المسجد، فخطبهم ابن أبي سبرة وحثهم على الطاعة، فتراجعوا، ولم يصل الناس يومئذ جمعة؛ فلما كان وقت العشاء الآخرة لم يجب المؤذن أحد إلى الصلاة بهم، فقدم الأصبغ ابن سفيان بن عاصم بن عبد العزيز بن مروان، فلما وقف للصلاة واستوت الصفوف أقبل عليهم بوجهه ونادى بأعلى صوته: أنا فلان بن فلان أصلي بالناس على طاعة أمير المؤمنين، يقول ذلك مرتين وثلاثاً، ثم تقدم فصلى بهم، فلما كان الغد قال لهم ابن أبي سبرة: إنكم قد كان منكم بالأمس ما قد علمتم ونهبتم طعام أمير المؤمنين، فلا يبقين عند أحد منه شيء إلا رده؛ فردوه؛ ورجع ابن الربيع من بطن نخل فقطع يد وثيق ويعقل وغيرهما. ذكر بناء مدينة بغداد فيها ابتدأ المنصور في بناء مدينة بغداد. وسبب ذلك أنه كان قد ابتنى الهاشمية بنواحي الكوفة، فلما ثارت الراوندية فيها كره سكانها لذلك ولجوار أهل الكوفة أيضاً، فإنه كان لا يأمن أهلها على نفسه، وكانوا قد أفسدوا جنده. فخرج بنفسه يرتاد له موضعاً يسكنه هو وجنده، فانحدر إلى جرجرايا، ثم أصعد إلى الموصل وسار نحو الجبل في طلب منزل يبني به. وكان قد تخلف بعض جنده بالمدائن لرمد لحقه، فسأله الطبيب الذي يعالجه عن سبب حركة المنصور، فأخبره، فقال: إنا نجد في كتاب عندنا أن رجلاً يدعى مقلاصاً يبني مدينة بين دجلة والصلاة تدعى الزوراء، فإذا أسسها وبنى بعضها أتاه فتقٌ من الحجاز فقطع بناءها وأصلح ذلك الفتق، ثم أتاه فتقٌ من البصرة أعظم منه فلا يلبث الفتقان أن يلتئما ثم يعود إلى بنائها فيتمه، ثم يعمر عمراً طويلاً ويبقى الملك في عقبه. فقدم ذلك الجندي إلى عسكر المنصور وهو بنواحي الجبل فأخبره الخبر، فرجع وقال: إني أنا والله كنت أدعى مقلاصاً وأنا صبي ثم زال عني، وسار حتى نزل الدير الذي حذاء قصره المعروف بالخلد، ودعا بصاحب الدير وبالبطريق صاحب رحا البطريق وصاحب بغداد وصاحب المخرم وصاحب بستان النفس وصاحب العتيقة فسألهم عن مواضعهم وكيف هي في الحر والبرد والأمطار والوحول والبق والهوام، فأخبره كل منهم بما عنده، ووقع اختيارهم على صاحب بغداد، فأحضره وشاوره. فقال: يا أمير المؤمنين سألتني عن هذه الأمكنة وما تختار منها، وإني أرى أن تنزل أربعة طساسيج في الجانب الغربي طسوجين وهما بقطريل وبادوريا، وفي الجانب الشرقي طسوجين وهما نهر بوق وكلواذى، فيكون بين نخل وقرب ماء، وإن أجدب طسوجٌ وتأخرت عمارته كان في الطسوج الآخر العمارات، وأنت يا أمير المؤمنين على الصراة تجيئك الميرة في السفن من الشام والرقة، والغرب في طوائف مصر، وتجيئك الميرة من الصين والهند والبصرة وواسط وديار بكر والروم والموصل وغيرها في دجلة، وتجيئك الميرة من أرمينية وما اتصل بها في تامرا حتى يتصل بالزاب، فأنت بين أنهار لا يصل إليك عدوك إلا على جسر أو قنطرة، فإذا قطعت الجسر وأخربت بالقنطرة لم يصل إليك، ودجلة والفرات والصراة خنادق هذه المدينة، وأنت متوسط للبصرة والكوفة وواسط والموصل والسواد، وأنت قريب من البر والبحر والجبل. فازداد المنصور عزماً على النزول في ذلك الموضع. وقيل: إن المنصور لما أراد أن يبني مدينته بغداد رأى راهباً فناداه، فأجابه، فقال: هل تجدون في كتبكم أنه يبني ها هنا مدينة ؟ قال: نعم يبنيها مقلاص. قال: فأنا كنت أدعى مقلاصاً في حداثتي. قال: فإذاً أنت صاحبها.(3/37) فابتدأ المنصور بعملها سنة خمس وأربعين، وكتب إلى الشام والجبل والكوفة وواسط والبصرة في معنى إنفاذ الصناع والفعلة، وأمر باختيار قوم من ذوي الفضل والعدالة والفقه، وأمر باختيار قوم من ذوي الأمانة والمعرفة بالهندسة، فكان ممن أحضر لذلك الحجاج بن أرطاة، وأبو حنيفة، وأمر فخطت المدينة وحفر الأساس وضرب اللبن وطبخ الآجر، فكان أول ما ابتدأ به منها أنه أمر بخطها بالرماد، فدخلها من أبوابها وفصلانها وطاقاتها ورحابها وهي مخطوطة بالرماد، ثم أمر أن يجعل على الرماد حب القطن ويشعل بالنار، ففعلوا، فنظر إليها وهي تشتعل ففهمها وعرف رسمها وأمر أن يحفر الأساس على ذلك الرسم، ووكل بها أربعة من القواد، كل قائد بربع، ووكل أبا حنيفة بعدد الآجر واللبن، وكان قبل ذلك قد أراد أبا حنيفة أن يتولى القضاء والمظالم، فلم يجب، فحلف المنصور أنه لا يقلع عنه أو يعمل له. فأجابه إلى أن ينظر في عمارة بغداد ويعد اللبن والآجر بالقصب، وهو أول من فعل ذلك. وجعل المنصور عرض أساس السور من أسفله خمسين ذراعاً، ومن أعلاه عشرين ذراعاً، وجعل في البناء القصب والخشب، ووضع بيده أول لبنة، وقال: بسم الله والحمد لله والأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله. فلما بلغ السور مقدار قامة جاء الخبر بظهور محمد بن عبد الله، فقطع البناء ثم أقام بالكوفة حتى فرغ من حرب محمد وأخيه إبراهيم ثم رجع إلى بغداد فأتم وأقطع فيها القطائع لأصحابه. وكان المنصور قد أعد جميع ما يحتاج إليه من بناء المدينة من خشب وساج وغير ذلك، واستخلف حين يشخص إلى الكوفة على إصلاح ما أعد أسلم مولاه، فبلغه أن إبراهيم قد هزم عسكر المنصور، فأحرق ما كان خلفه عليه المنصور، فبلغ المنصور ذلك فكتب إليه يلومه، فكتب إليه أسلم يخبره أنه خاف أن يظفر بهم إبراهيم فيأخذه، فلم يقل له شيئاً. وسنذكر كيفية بنائها في سنة ست وأربعين إن شاء الله. ذكر ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن أخي محمد فيها كان ظهور إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب، وهو أخو محمد، المقدم ذكره، وكان قبل ظهوره قد طلب أشد الطلب، فحكت جاريةٌ له أنه لم تقرهم أرضٌ خمس سنين، مرةً بفارس ومرةً بكرمان ومرةً بالجبل ومرةً بالحجاز ومرةً باليمن ومرةً بالشام، ثم إنه قدم الموصل وقدمها المنصور في طلبه، فحكى إبراهيم قال: اضطرني الطلب بالموصل حتى جلست على مائدة المنصور ثم خرجت وقد كف الطلب؛ وكان قوم من أهل العسكر يتشيعون فكتبوا إلى إبراهيم يسألونه القدوم إليهم ليثبوا بالمنصور، فقدم عسكر أبي جعفر وهو ببغداد وقد خطها، وكانت له مرآة ينظر فيها فيرى عدوه من صديقه، فنظر فيها فقال: يا مسيب قد رأيت إبراهيم في عسكري وما في الأرض أعدى لي منه، فانظر أي رجل يكون. ثم إن المنصور أمر ببناء قنطرة الصراة العتيقة، فخرج إبراهيم ينظر إليها مع الناس، فوقعت عليه عين المنصور، فجلس إبراهيم وذهب في الناس فأتى قامياً فلجأ إليه، فأصعده غرفة له، وجد المنصور في طلبه ووضع الرصد بكل مكان، فنشب إبراهيم مكانه، فقال له صاحبه سفيان بن حيان القمي: قد نزل بنا ما ترى ولا بد من المخاطرة. قال: فأنت وذاك. فأقبل سفيان إلى الربيع فسأله الإذن على المنصور، فأدخله عليه، فلما رآه شتمه، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أهلٌ لما تقول، غير أني أتيتك تائباً ولك عند كل ما تحب، وأنا آتيك بإبراهيم بن عبد الله، إني قد بلوتهم فلم أجد فيهم خيراً، فاكتب لي جوازاً ولغلامٍ معي يحملني على البريد ووجه معي جنداً. فكتب له جوازاً ودفع إليه جنداً وقال: هذا ألف دينار فاستعن بها. قال: لا حاجة لي فيها، وأخذ منها ثلاثمائة دينار وأقبل والجند معه فدخل البيت، وعلى إبراهيم جبة صوف وقباءٌ كأقبية الغلمان، فصاح به، فوثب وجعل يأمره وينهاه، وسار على البريد. وقيل: لم يركب البريد.(3/38) وسار حتى قدم المدائن، فمنعه صاحب القنطرة بها، فدفع جوازه إليه، فلما جازها قال له الموكل بالقنطرة: ما هذا غلام وإنه لإبراهيم بن عبد الله، اذهب راشداً، فأطلقهما، فركبا سفينة حتى قدما البصرة، فجعل يأتي بالجند الدار لها بابان فيقعد البعض منهم على أحد البابين ويقول: لا تبرحوا حتى آتيكم، فيخرج من الباب الآخر ويتركهم، حتى فرق الجند عن نفسه وبقى وحده. وبلغ الخبر سفيان بن معاوية أمير البصرة، فأرسل إليهم فجمعهم، وطلب القمي فأعجزه، وكان إبراهيم قد قدم الاهواز قبل ذلك واختفى عند الحسن ابن خبيب، وكان محمد بن الحصين يطلبه، فقال يوماً: إن أمير المؤمنين كتب إلي يخبرني أن المنجمين أخبروه أن إبراهيم نازلٌ بالأهواز في جزيرة بين نهرين، وقد طلبته في الجزيرة وليس هناك، وقد عزم أن أطلبه غداً بالمدينة، لعل أمير المؤمنين يعني بقوله بين نهرين بين دجيل والمسرقان. فرجع الحسن بن خبيب إلى إبراهيم فأخبره وأخرجه إلى ظاهر البلد، ولم يطلبه محمد ذلك اليوم. فلما كان آخر النهار خرج الحسن إلى إبراهيم فأدخله البلد، وهما على حمارين، وقت العشاء الآخرة، فلقيه أوائل خيل ابن الحصين، فنزل إبراهيم عن حماره كأنه يبول، فسأل ابن الحصين الحسن بن خبيب عن مجيئه، فقال: من عند بعض أهلي. فمضى وتركه. ورجع الحسن إلى إبراهيم فأركبه وأدخله إلى منزله، فقال له إبراهيم: والله لقد بلت دماً. قال: فأتيت الموضع فرأيته قد بال دماً. ثم إن إبراهيم قدم البصرة، فقيل: قدمه سنة خمس وأربعين بعد ظهور أخيه محمد بالمدينة، وقيل: قدمها سنة ثلاث وأربعين ومائة، وكان الذي أقدمه وتولى كراه، في قول بعضهم، يحيى بن زياد بن حيان النبطي وأنزله في داره في بني ليث، وقيل: نزل في دار أبي فروة، ودعا الناس إلى بيعة أخيه؛ وكان أول من بايعه نميلة بن مرة العبشمي، وعفو الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمرو بن سلمة الهجيمي، وعبد الله بن يحيى بن حصين الرقاشي، وندبوا الناس، فأجابهم المغيرة بن الفزع وأشباهٌ له، وأجابه أيضاً عيسى بن يونس، ومعاذ بن معاذ، وعباد بن العوام، وإسحاق بن يوسف الأزرق، ومعاوية بن هشيم بن بشير، وجماعة كثيرة من الفقهاء وأهل العلم، حتى أحصى ديوانه أربعة آلاف. وشهر أمره، فقالوا له: لو تحولت إلى وسط البصرة أتاك الناس وهم مستريحون. فتحول فنزل دار أبي مروان مولى بني سليم في مقبرة بني يشكر، وكان سفيان بن معاوية قد مالأ على أمره. ولما ظهر أخوه محمد كتب إليه يأمره بالظهور، فوجم لذلك واغتم، فجعل بعض أصحابه يسهل عليه ذلك وقال له: قد اجتمع لك أمرك فتخرج إلى السجن فتكسره من الليل فتصبح وقد اجتمع لك عالمٌ من الناس. وطابت نفسه، وكان المنصور بظاهر الكوفة، كما تقدم، في قلةٍ من العساكر، وقد أرسل ثلاثةً من القواد إلى سفيان بن معاوية بالبصرة مدداً ليكونوا عوناً له على إبراهيم إن ظهر. فلما أراد إبراهيم الظهور أرسل إلى سفيان فأعلمه، فجمع القواد عنده، وظهر إبراهيم أول شهر رمضان سنة خمس وأربعين ومائة فغنم دواب أولئك الجند وصلى بالناس الصبح في الجامع وقصد دار الإمارة وبها سفيان متحصناً في جماعة فحصره، وطلب سفيان منه الأمان فآمنه إبراهيم ودخل الدار ففرشوا له حصيراً، فهبت الريح فقلبته قبل أن يجلس، فتطير الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير. وجلس عليه مقلوباً وحبس القواد وحبس أيضاً سفيان ابن معاوية في القصر وقيده بقيدٍ ليعلم المنصور أنه محبوس. وبلغ جعفراً ومحمداً ابني سليمان بن علي ظهور إبراهيم، فأتيا في ستمائة رجل، فأرسل إليهما إبراهيم المضاء بن القاسم الجزري في خمسين رجلاً، فهزمهما، ونادى منادي إبراهيم: لا يتبع مهزوم ولا يذفف على جريح. ومضى إبراهيم بنفسه إلى باب زينب بنت سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس، وإليها ينسب الزينبيون من العباسيين، فنادى بالأمان وأن لا يعرض لهم أحد، فصفت له البصرة، ووجد في بيت مالها ألفي ألف درهم، فقوي بذلك وفرض لأصحابه لكل رجل خمسين خمسين.(3/39) فلما استقرت له البصرة أرسل المغيرة إلى الأهواز، فبلغها في مائتي رجل، وكان بها محمد بن الحصين عاملاً للمنصور، فخرج إليه في أربعة آلاف فالتقوا، فانهزم ابن الحصين ودخل المغيرة الأهواز، وقيل: إنما وجه المغيرة بعد مسيره إلى باخمرى، وسير إبراهيم إلى فارس عمرو بن شداد، فقدمها وبها إسماعيل وعبد الصمد ابنا علي بن عبد الله بن عباس، فبلغهما دنو عمرو وهما بإصطخر، فقصدا دار ابجرد فتحصنا بها، فصارت فارس في يد عمرو، وأرسل إبراهيم مروان بن سعيد العجلي في سبعة عشر ألفاً إلى واسط، وبها هارون بن حميد الإيادي من قبل المنصور، فملكها العجلي، وأرسل المنصور لحربه عامر بن إسماعيل المسلي في خمسة آلاف، وقيل: في عشرين ألفاً، فكانت بينهم وقعات ثم تهادنوا على ترك الحرب حتى ينظروا ما يكون من إبراهيم والمنصور، فلما قتل إبراهيم هرب مروان ابن سعيد عنهما فاختفى حتى مات. فلم يزل إبراهيم بالبصرة يفرق العمال والجيوش حتى أتاه نعي أخيه محمد قبل عيد الفطر بثلاثة أيام، فخرج بالناس يوم العيد وفيه الانكسار فصلى بهم وأخبرهم بقتل محمد، فازدادوا في قتال المنصور بصيرةً، وأصبح من الغد فعسكر واستخلف على البصرة نميلة وخلف ابنه حسناً معه. ذكر مسير إبراهيم وقتله ثم إن إبراهيم عزم على المسير، فأشار أصحابه البصريون أن تقيم وترسل الجنود، فيكون إذا انهزم لك جند أمددتهم بغيرهم فخيف مكانك واتقاك عدوك وجبيت الأموال وثبت وطأتك. فقال من عنده من أهل الكوفة: إن بالكوفة أقواماً لو رأوك ماتوا دونك، وإن لم يروك قعدت بهم أسباب شتى. فسار على البصرة إلى الكوفة. وكان المنصور لما بلغه ظهور إبراهيم في قلة من العسكر قال: والله ما أدري كيف أصنع ! ما في عسكري إلا ألفا رجل، فرقت جندي: مع المهدي بالري ثلاثون ألفاً، ومع محمد بن الأشعث بإفريقية أربعون ألفاً، والباقون مع عيسى بن موسى، والله لئن سلمت من هذه لا يفارق عسكري ثلاثون ألفاً. ثم كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بالعود مسرعاً، فأتاه الكتاب وقد أحرم بعمرةٍ، فتركها وعاد. وكتب إلى سلم بن قتيبة فقدم عليه من الري، فقال له المنصور: اعمد إلى إبراهيم ولا يروعنك جمعه، فوالله إنهما جملا بني هاشم المقتولان ! فثق بما أقول. وضم إليه غيره من القواد. وكتب إلى المهدي يأمره بإنفاذ خزيمة بن خازم إلى الأهواز، فسيره في أربعة آلاف فارس، فوصلها وقاتل المغيرة، فرجع المغيرة إلى البصرة، واستباح خزيمة الأهواز ثلاثاً. وتوالت على المنصور الفتوق من البصرة والأهواز وفارس وواسط والمدائن والسواد، وإلى جانبه أهل الكوفة في مائة ألف مقاتل ينتظرون به صيحةً، فلما توالت الأخبار عليه بذلك أنشد: وجعلت نفسي للرماح دريئةً ... إنّ الرئيس لمثل ذاك فعول ثم إنه رمى كل ناحية بحجرها، وبقي المنصور على مصلاه خمسين يوماً ينام عليه، وجلس عليه وعليه جبة ملونة قد اتسخ جيبها لا غيرها ولا هجر المصلى، إلا أنه كان إذا ظهر للناس لبس السواد فإذا فارقهم رجع إلى هيئته. وأهديت إليه امرأتان من المدينة، إحداهما فاطمة بنت محمد بن عيسى بن طلحة بن عبيد الله، والأخرى أم الكريم ابنة عبد الله من ولد خالد بن أسيد، فلم ينظر إليهما، فقيل له: إنهما قد ساءت ظنونهما. فقال: ليست هذه أيام نساء ولا سبيل إليهما حتى أنظر رأس إبراهيم لي أو رأسي له. قال الحجاج بن قتيبة: لما تتابعت الفتوق على المنصور دخلت مسلماً عليه وقد أتاه خبر البصرة والأهواز وفارس، وعساكر إبراهيم قد عظمت، وبالكوفة مائة ألف سيف بإزاء عسكره ينتظر صيحة واحدة فيثبون به، فرأيته أحوذياً مشمراً قد قام إلى ما نزل به من النوائب يعركها فقام بها ولم تقعد به نفسه، وإنه كما قال الأول: نفس عصامٍ سوّدت عصاما ... وعلّمته الكرّ والإقداما وصيّرته ملكاً هماما ثم وجه المنصور إلى إبراهيم عيسى بن موسى في خمسة عشر ألفاً، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف، وقال له لما ودعه: إن هؤلاء الخبثاء، يعني المنجمين، يزعمون أنك إذا لاقيت إبراهيم يجول أصحابك جولةً حتى تلقاه ثم يرجعون إليك وتكون العاقبة لك.(3/40) ولما سار إبراهيم عن البصرة مشى ليلته في عسكره سراً فسمع أصوات الطنابير، ثم فعل ذلك مرة أخرى فسمعها أيضاً، فقال: ما أطمع في نصر عسكر فيه مثل هذا ! وسمع ينشد في طريقه أبيات القطامي: أمورٌ لو يدبّرها حليمٌ ... إذاً لنهى وهيّب ما استطاعا ومعصية الشقيق عليك ممّا ... يزيدك مرّة منه استماعا وخير الأمر ما استقبلت منه ... وليس بأن تتبّعه اتّباعا ولكنّ الأديم إذا تفرّى ... بلىً وتعيباً غلب الصّناعا فعلموا أنه نادم على مسيره. وكان ديوانه قد أحصى مائة ألف، وقيل: كان معه في طريقه عشرة آلاف، وقيل له في طريقه ليأخذ غير الوجه الذي فيه عيسى ويقصد الكوفة فإن المنصور لا يقوم له وينضاف أهل الكوفة إليه ولا يبقى للمنصور مرجع دون حلوان، فلم يفعل. فقيل له ليبيت عيسى. فقال: أكره البيات إلا بعد الإنذار. وقال بعض أهل الكوفة ليأمره بالمسير إليها ليدعو إليه الناس وقال: أدعوهم سراً ثم أجهر، فإذا سمع المنصور الهيعة بأرجاء الكوفة لم يرد وجهه شيء دون حلوان. فاستشار بشيراً الرحال فقال: لو وثقنا بالذي تقول لكان رأياً، ولكنا لا نأمن أن تجيئك منهم طائفة فيرسل إليهم المنصور الخيل فيأخذ البريء والصغير والمرأة فيكون ذلك تعرضاً للمأثم. فقال الكوفي: كأنكم خرجتم لقتال المنصور وأنتم تتقون قتل الضعيف والمرأة والصغير ! أولم يكن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يبعث سراياه ليقاتل ويكون نحو هذا ؟ فقال بشير: أولئك كفار وهؤلاء مسلمون. وابتع إبراهيم رأيه وسرا حتى نزل باخمرى، وهي من الكوفة على ستة عشر فرسخاً، مقابل عيسى بن موسى، فأرسل إليه سلم بن قتيبة: إنك قد أصحرت ومثلك أنفس به عن الموت، فخندق على نفسك حتى لا تؤتى إلا من مأتى واحد، فإن أنت لم تفعل فقد أغرى أبو جعفر عسكره، فتخفف في طائفة حتى تأتيه فتأخذه بقفاه. فدعا إبراهيم أصحابه وعرض عليهم ذلك؛ فقالوا: نخندق على أنفسنا ونحن الظاهرون عليهم ! لا والله لا نفعل. قال: فنأتي أبا جعفر. قالوا: ولم وهو في أيدينا متى أردناه ؟ فقال إبراهيم للرسول: أتسمع ؟ فارجع راشداً. ثم إنهم تصافوا، فصف إبراهيم أصحابه صفاً واحداً، فأشار عليه بعض أصحابه بأن يجعلهم كراديس، فإذا انهزم كردوس ثبت كردوس، فإن الصف إذا انهزم بعضه تداعى سائره. فقال الباقون: لا نصف إلا صف أهل الإسلام، يعني قول الله تعالى: " إنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ في سَبِيِلِهِ صَفّاً " الآية الصف: 4. فاقتتل الناس قتالاً شديداً وانهزم حميد بن قحطبة وانهزم الناس معه، فعرض لهم عيسى يناشدهم الله والطاعة فلا يلوون عليه. فأقبل حميد منهزماً، فقال له عيسى: الله الله والطاعة ! فقال: لا طاعة في الهزيمة ! ومر الناس فلم يبق مع عيسى إلا نفر يسير، فقيل له: لو تنحيت عن مكانك حتى تؤوب إليك الناس فتكر بهم. فقال: لا أزول عن مكاني هذا أبداً حتى أقتل أو يفتح الله على يدي، والله لا ينظر أهل بيتي إلى وجهي أبداً وقد انهزمت عن عدوهم ! وجعل يقول لمن يمر به: أقريء أهل بيتي السلام وقل لهم لم أجد فداً أفديكم به أعز من نفسي وقد بذلتها دونكم ! فبيناهم على ذلك لا يلوي أحد على أحد إذ أتى جعفر ومحمد ابنا سليمان ابن علي من ظهور أصحاب إبراهيم، ولا يشعر باقي أصحابه الذين يتبعون المنهزمين حتى نظر بعضهم فرأى القتال من ورائهم فعطفوا نحوه، ورجع أصحاب المنصور يتبعونهم، فكانت الهزيمة على أصحاب إبراهيم، فلولا جعفر ومحمد لتمت الهزيمة، وكان من صنع الله للمنصور أن أصحابه لقيهم نهر في طريقهم فلم يقدروا على الوثوب ولم يجدوا مخاضة، فعادوا بأجمعهم، وكان أصحاب إبراهيم قد مخروا الماء ليكون قتالهم من وجه واحد، فلما انهزموا منعهم الماء من الفرار، وثبت إبراهيم في نفر من أصحابه يبلغون ستمائة، وقيل أربعمائة، وقاتلهم حميد وجعل يرسل بالرؤوس إلى عيسى، وجاء إبراهيم سهمٌ عائر فوقع في حلقه فنحره، فتنحى عن موقفه وقال: أنزلوني، فأنزلوه عن مركبه وهو يقول: " وَكَانَ أمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً " الأحزاب: 38، أردنا أمراً وأراد الله غيره.(3/41) واجتمع عليه أصحابه وخاصته يحمونه ويقاتلون دونه، فقال حميد بن قحطبة لأصحابه: شدوا على تلك الجماعة حتى تزيلوهم عن موضعهم وتعلموا ما اجتمعوا عليه؛ فشدوا عليهم فقاتلوهم أشد قتال حتى أفرجوهم عن إبراهيم ووصلوا إليه وحزوا رأسه فأتوا به عيسى، فأراه ابن أبي الكزام الجعفري فقال: نعم هذا رأسه. فنزل عيسى إلى الأرض فسجد وبعث برأسه إلى المنصور. وكان قتله يوم الأثنين لخمس ليالٍ بقين من ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائة، وكان عمره ثمانياً وأربعين سنة، ومكث منذ خرج إلى أن قتل ثلاثة أشهر إلا خمسة أيام. وقيل: كان سبب انهزام أصحابه أنهم لما هزموا أصحاب المنصور وتبعوهم ونادى منادي إبراهيم: ألا لا تتبعوا مدبراً ! فرجعوا، فلما رآهم أصحاب المنصور راجعين ظنوهم منهزمين فعطفوا في آثارهم، وكانت الهزيمة. وبلغ المنصور الخبر بهزيمة أصحابه أولاً فعزم على إتيان الري، فأتاه نوبخت المنجم وقال: يا أمير المؤمنين الظفر لك وسيقتل إبراهيم ! فلم يقبل منه. فبينما هو كذلك إذ جاءه الخبر بقتل إبراهيم، فتمثل: فألقت عصاها واستقرّ بها النّوى ... كما قرّ عيناً بالإياب المسافر فأقطع المنصور نوبخت ألفي جريب بنهر حويزة. وحمل رأس إبراهيم إلى المنصور فوضع بين يديه، فلما رآه بكى حتى خرجت دموعه على خد إبراهيم ثم قال: أما والله إني كنت لهذا كارهاً ! ولكنك ابتليت بي وابتليت بك ! ثم جلس مجلساً عاماً وأذن للناس. فكان الداخل يدخل فيتناول إبراهيم ويسيء القول فيه ويذكر فيه القبيح التماساً لرضاء المنصور، والمنصور ممسك متغير لونه، حتى دخل جعفر بن حنظلة الدارمي فوقف فسلم ثم قال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك، وغفر له ما فرط فيه من حقك ! فأسفر لون المنصور وأقبل عليه وقال: يا أبا خالد مرحباً ها هنا ! فعلم الناس أن ذلك يرضيه، فقاتلوا مثل قوله. وقيل: لما وضع الرأس بصق في وجهه رجل من الحرس، فأمر به المنصور فضرب بالعمد فهشمت أنفه ووجهه، وضرب حتى خمد، وأمر به فجروا رجله فألقوه خارج الباب. وقي: ونظر المنصور إلى سفيان بن معاوية بعد مدة راكباً فقال: لله العجب كيف يفلتني ابن الفاعلة ! انقضى أمر إبراهيم رضي الله عنه. ذكر عدة حوادث وفيها خرجت الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. وحج بالناس هذه السنة السري بن عبد الله بن الحارث بن العباس، وكان على مكة، وكان على المدينة عبد الله بن الربيع، وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سلم بن قتيبة الباهلي، وعلى قضائها عباد بن منصور، وعلى مصر يزيد بن حاتم. وفيها عزل المنصور مالك بن الهيثم عن الموصل بابنه جعفر بن أبي جعفر المنصور وسير معه حرب بن عبد الله، وهو من أكابر قواده، وهو صاحب الحربية ببغداد، وبنى بأسفل الموصل قصراً وسكنه، فهو يعرف إلى اليوم بقصر حرب، وفيه ولدت زبيدة بنت جعفر زوجة الرشيد، وعنده يومنا هذا قرية كانت ملكاً لنا فبنينا فيها رباطاً للصوفية وقفنا القرية عليه، قد جمعت كثيراً من هذا الكتاب في هذه القرية في دار لنا بها، وهي من أنزه المواضع وأحسنها، وأثر القصر باقٍ بها إلى الآن. سبحان من لا يزول ولا تغيره الدهور. وفيها مات عمرو بن ميمون بن مهران. والحسن بن الحسن بن علي ابن أبي طالب، وكان موته في حبس المنصور، لأنه أخذه من المدينة، كما ذكرناه، وهو عم محمد وإبراهيم. وفيها مات عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، ويحيى بن الحارث الذماري، وله سبعون سنة. وإسماعيل بن أبي خالد البجلي، وحبيب بن الشهيد مولى الأزد، وكنيته أبو شهيد. |