Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

تدمير هيكل سليمان وهيرودس

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
حنان رئيس الكهنة
الأبنية المجاورة لهيكل هيرودس
رؤساء الكهنة
رئيس الكهنة والكهنة
الأسباط
الشيوخ
خريطة هيكل هيرودس
أجزاء ومحتويات الهيكل
مذبح البخور
أوانى وأدوات الهيكل
تدمير هيكل سليمان وهيرودس
الحربة | الحِراب
2- فناء النساء
البر / أبرار / التبرير
9 - ساحة أو فناء الإسرائيليين
19- رواق سُليمان
21 - رواق الأمم
إنجيل
حائط المبكى
القرابين
عاقر
أعياد اليهود
يَ
رئل
ال
اللغة العبرية
ملكوت السموات
إكتشاف قارب مطمور فى الوحل
 الضيعة | التخوم
الخَصيّ | الخصيان
الأنبياء والنبوة والتنبؤ
يَسوع
الروح القدس
البَرَص | الأَبَرص
العُرس
المكاييل والموازين والمسافات والعملات
اليونانيون يهود الشتات
طوبى | تطويبات
خُمار
خارجي | خارجية
الاتكاء / المتكأ
وادي قِدرون
الأكمَة | الآكام
وضع اليد
آجر | الطوب
Untitled 7513
سِراج

خراب أورشليم وهيكلها.


على الرغم من الثراء العريض الذي حققه كثير من اليهود خارج اليهودية في الأقطار الأخرى فقد. كانوا يتطلعون دائمًا بشوق إلي أورشليم، وما يحيط بها... كانوا يعتبرون أورشليم وكل سكانها من اليهود – أنها المكان الوحيد في العالم، حيث يشعرون – إلي حد ما – أنهم سادة في بيتهم، وأن منها ستظهر (حسب فهمهم المادي الخاطئ) المملكة اليهودية الكبيرة الموعد بها، وفيها أيضًا سيظهر المسيا المنتظر... وهكذا كانت أورشليم مركز اليهودية في العالم كله، وقلبها النابض وفي عهد الرسل كانت أورشليم على جانب كبير من الثراء المادي وبلغ عدد سكانها نحو مائتى ألف نسمة. لكنها لم تعد – كما كانت في زمان داود وسليمان – تستمد عظمتها وثروتها من قوتها العسكرية، وتجارتها مع شعوب فلسطين. بل من هيكل يهوه وحده... كان على كل ذكر يهودي تجاوز عمره الستين، أينما يعيش، غنيًا كان أم فقيرًا أن يسهم في الحفاظ على الهيكل، بأن يدفع درهمين (2/1 شاقل) سنويًا ضريبة للهيكل ترسل إلى أورشليم. وقد أوفى الرب يسوع هذه الضريبة (مت17 : 24) وإلى جانب ذلك كانت تصل إلي أورشليم تقدمات كثيرة لا تحصى كما كان لزامًا على كل يهودي غيور أن يحج إلي أورشليم – مرة واحدة على الأقل في حياته حيث مسكن إلهه يهوه... ففيه وحده يقبل الله التقدمات هكذا ترنم داود وقال عن هذا المسكن أن الله يسكن فيه إلي الأبد (مز68: 16)... أما المجامع اليهودية المنتشرة في المدن المختلفة خارج أورشليم فكانت أماكن اجتماعات وعبادة ومدارس... لكنها لم تكن بحال ما هياكل تقدم فيها الذبائح.

لابد إذن وأن تكون ضرائب الهيكل، والحج، قد أمدتها بأموال طائلة وأنعشت الحالة الاقتصادية، وأتاحت فرصًا للعمل والكسب لكثير من اليهود، وهكذا فإن عبادة يهوه في أورشليم – بصورة مباشرة وغير مباشرة – قد أفادت ليس فقط كهنة الهيكل والكتبة وحدهم بل أيضًا أصحاب المتاجر والحرف والصيارف والفلاحين والرعاة وصيادي اليهودية والجليل الذين وجدوا في أورشليم سوقًا رائجًا لمنتجاتهم... (انظر المزيد عن هذا الموضوع هنا في موقع الأنبا تكلا في أقسام المقالات والكتب الأخرى). وإذ كان السيد المسيح قد وجد في الهيكل باعة ومشترين وصيارف فقد كان هذا يتمشى ووضع الهيكل بالنسبة لحياة أورشليم وشعبها. كانت حياة اليهود وآمالهم متعلقة بأورشليم " أن نسيتك يا اورشليم فلتنس يميني، ليلتصق لساني بحنكي إن لم أذكرك أن لم أفضل أورشليم على أعظم فرحي " (مز137: 5، 6).... من أجل هذا قامت بعض محاولات لبناء أماكن يحج إليها اليهود خارج أورشليم لكن كل هذه المحاولات باءت بالفشل... من أمثلة ذلك المحاولة التي قام بها شخص يدعي أنياس onias وهو ابن لرئيس كهنة يهودي – هذا بني هيكلًا ليهوه في مصر في عهد بطليموس فيلوباتير (173 – 146 ق. م) بمعاونة هذا الملك الذي كان يأمل أن يصبح رعاياه من اليهود أكثر ولاء له، حينما يكون لهم هيكل في بلده، لكن هذا الهيكل فشل في فكرته وغرضه... وهكذا ظلت أورشليم وهيكلها قبلة اليهود من كل أنحاء العالم يولون وجوههم شطرها في الصلاة وإليها يرسلون تقدماتهم ويحجون إليها للتبرك وتقديم الذبائح... ويحفظون لها كل ولائهم...

 

 

 

بين سنة 587 ق. م ودمار هيكل سليمان على يد نبوخذ نصر البابلي، وبين سنة 70 دمار الهيكل الثاني الذي جمّله هيرودس وخلفاؤه. بين ذهاب الشعب العبراني إلى منفى بابل، وبيت تشتّت اليهود مرّة أولى بعد سقوط أورشليم على يد تيطُس ووسباسيانس، ومرّة ثانية مع الامبراطور ادريانس، مرّت حقبة هامة من سبعة قرون جعلت الكهنة واللاويين والحكماء يعودون إلى تراثهم الديني، يدوّنونه وهم ينتظرون ذاك الداود الجديد الذي سيكون بحسب قلب الرب. وسيأتي يسوع. ولكن مسيرتهم البشريّة تتابع طريقها وهم ما زالوا ينتظرون.
جاءت الجيوش الأشوريّة من بلاد الرافدين إلى بلدان سورية ولبنان وفلسطين مع تغلت فلاسر الثالث، الذي اجتاح المنطقة ودمّر دمشق سنة 732. وتبعه شلمنصر الخامس الذي حاصر السامرة واستولى عليها. ولكن سرجون الثاني الذي تسلّم الملك سنة 722- 721 هو الذي دمّرها وأجلى سكانها وجعل محلهم أناسًا جاء بهم من بابل ومن حماة. وهكذا زالت مملكة إسرائيل من الوجود. أصبحت مقاطعة أشوريّة بانتظار أن تصبح مقاطعة بابليّة ثم فارسيّة ثم يونانيّة، لاجيّة، سلوقيّة، رومانيّة، بيزنطيّة... وهرب من هرب من السكان إلى أورشليم حيث عوملوا كجيران (ج ر في العبريّة). والذين بقوا في السامرة وحولها، اندمجوا بالسكان الوثنيّين وأضاعوا إيمانهم فصاروا على التوالي أشوريّين مع الآشوريّين، بابليّين مع البابليّين، يونان مع اليونان حتى سمّيت السامرة سبسطية باسم أوغسطس الامبراطور الروماني الأول. وظلّت فئة من المؤمنين تحاول أن تنغلق على ذاتها حتى صارت اليوم حول نابلس أقليّة قليلة لا يصل أفرادها إلى الألف نسمة.
لم تسقط أورشليم بيد الأشوريّين مع أنهم حاصروها. وذلك لأن الوباء تفشّى في الجيش المهاجم. ولما عاد سنحاريب إلى بلاده، قتله ابناه ليستوليا على العرش. غير أن مملكة يهوذا صارت صغيرة جدًا، فركّزت اهتمامها على الاصلاح الدينيّ الذي تمّ مع حزقيا (716-687) ثم مع يوشيا الذي توفيّ في معركة مجدو سنة 609، ساعة أراد أن يصدّ الجيش المصري بقيادة نكو الثاني الذاهب لمساندة الأشوريّين ضدّ البابليّين باسم سياسة توازن القوى. وفي سنة 597، جاء نبوخذ نصّر فوضع يده على أورشليم. سلب ما سلب، أخذ الملك أسيرًا، وأخذ معه عددًا كبيرًا من الوجهاء والصنّاع ورجال الحرب. ولما ثارت أورشليم بدفع من مصر، كانت عاقبتها الدمار سنة 587. لم يعد من ملك. أحرق الهيكل موضع حضور الله. دمّرت الأسوار فصارت مدينة الله مدينة مباحة. وسوف تنتظر مئة سنة ونيّف حتى يعاد بناؤها على يد نحميا والعائدين من السبيّ.
عاد أولا العائدين من السبي سنة 538 وأرادوا إعادة ملكيّة داود مع زربابل. ولكن يبدو أنه خسر دوره فحلّ محلّه يشوع عظيم الكهنة (زك 3: 1) الذي قيل فيه ما قيل في داود: "هذا ما قال الرب القدير: إن سرتَ في طرقي وعملت بأوامري، فأنت تحكم بيتي وتسهر على دياري" (زك 13: 7). فمنذ دمار أورشليم، لم تعد من سلطة سياسيّة تحاور الحاكم الأجنبي في شأن الشعوب المقيمة في الشرق. فالدولة الحاكمة ترسل موظفًا من قبلها يراقب الامن ويؤمّن وصول الضرائب إلى عاصمة الامبراطوريّة. أما المتكلّم باسم الشعوب المغلوبة على أمرها التي ستصبح أقليّات حتى في زمن العثمانيّين، فهو رئيس السلطة الدينيّة. كان عظيم الكهنة في ما قبل المسيح، وسيصير أسقف المدينة مع المسيحيّة.
تسامح الفرس مع الشعب اليهوديّ، فسمحوا لهم بالعودة. فعاد الفقراء لا الأغنياء الذين صار بعضهم أصحاب مصارف ومتاجر مشهورة. عاد الكهنة وعادت قلّة من اللاويّين بعد أن خسرت مكانتها في الاصلاح الجديد الذي بدأه يوشيّا سنة 627. ولكن هؤلاء العائدين نفحوا في ما سمّي "شعب الأرض"، الشعب الذي ظلّ يعمل في ظلّ الحاكم الأجنبي، روحًا جديد، فبنوا هيكلاً جديدًا لا يمكن أن يقابل إطلاقًا بهيكل سليمان. اعتبروه "كلا شيء" (حج 3:2). ولكن سيأتي هيرودس الكبير في نهاية القرن الأول ق. م ويعمل فيه قرابة أربعين سنة ليصبح قبلة الأنظار. غير أنه سيدمّر على يد الرومان سنة 70. يل يُقتلع من مكانه فلا تبقى إلاْ الأساسات التي صارت حائط المبكى اليوم، لأن الامبراطور ادريانس بنى مكانه هيكلاً لزوش إله الكابتول في رومة، وبدّل اسم أورشليم فصارت "أيليا كابيتولينا". بل أعطى البلاد كلّها اسمًا جديدًا استقاه من شعب الفلسطيّين، سماها فلسطين حوالي سنة 135 ب. م.
ومرّ بعد الفرس جيش الاسكندر الكبير. ويقول التقليد إن رئيس الكهنة استقبله فكان السلام لأورشليم. أما أهل السامرة الذين ثاروا على الحاكم اندروماكوس وأحرقوه حيًا بالنار، فقد كانت لهم آخرة تعيسة وهرب الوجهاء، فاختبأوا في مغارة أشعلت النار على بابها فاختنق كل من فيها. وظلّت المغارة مقفلة حتى سنة 1962 حيث وُجدت مدونات هامّة جدًا.
تسامح اللاجيّون المصريون الذين حكموا فلسطين بعد الاسكندر. ولكن في بداية القرن الثاني ق م، انتقلت فلسطين ومعها البقاع اللبناني وامتداده إلى حكم السلوقيّين في أنطاكية. فقامت ثورة يهوديّة على أنطيوخس الرابع ابيفانيوس الذي أراد أن يكون جميع سكان ممكلته متساوين حتى على مستوى العبادة، فمنع اليهود من ممارساتهم الدينيّة ولاسيّما الختان. قام بهذه الثورة متتيا وأبناؤه الذي سيسمّون المكابيّين أو المختارين. وبعدهم جاء الحشمونيون، فنالت البلاد بعض الاستقلال. ولكن المكابيّين لم يكتفوا بالحرب من أجل الحريّة الدينيّة، بل أرادوا أن يصيروا ملوكًا. لهذا السبب تركهم "الحسيديم" أي جماعة الاتقياء. فصاروا الفريسّيين الذي انفصلوا عن الحرب ولكنهم ظلّوا يعيشون في قلب المجتمع يعلّمونه كيف يحافظ على نقاوته وسط عالم وثنيّ. كما صاروا جماعة قمران أو الاسيانيّين الذين أقاموا عند البحر الميت وكانت نهايتهم سنة 69 ب م، ساعة مرور الجيوش الرومانيّة التي زحفت على أورشليم واحتلتها سنة 70.
ولكن الخلافات كانت عديدة على مستوى السياسة كما على مستوى الدين. من يكون حاكم البلاد؟ أرسطوبولس أم أخوه هركانس الثاني؟ حسم بومبيوس القائد الروماني سنة 63 ق م المسألة، فأزاح الاثنين وجعل من يهودا أو أرض اليهود (اليهوديّة) مقاطعة رومانيّة. وعلى مستوى عظيم الكهنة، كانت صراعات على هذا المركز بالوساطة والمال والقوة والقتل، بحيث صار عظيم الكهنة لعبة في يد الحاكم. بل إن الحاكم احتفظ له بثيابه الكهنوتيّة رهينة وما كان يعطيه إياها إلاّ في زمن العيد، على أن تعود إلى "خزنة" الحاكم حالا بعد العيد. وكان صراع بين الصادوقيّين والفريسيّين، بين أصدقاء العرش الذين كانوا السبب في قتل الآلاف من الفريسيّين. وبين أصدقاء الشعب وقد رافقوه في المجامع يوم السبت بل في حياته طوال الأسبوع على مستوى الوصايا التي وصلت إلى 613 وصيّة منها 248 فريضة (إيجابية، ما يجب على الانسان أن يعمل) و365 أمرًا محرما (سلبية، ما لا يجب أن يعمل).
الفريسيون يقاومون الاحتلال الروماني بموقف رافض وإن دفعوا الضرائب في الوقت الحاضر. كما يقاومون بالوعظ والكتابات التي وصل إلينا منها الكثير. أما الصادوقيون فيتعاملون مع الحاكم سواء السلوقي أو الروماني. وقد أخذوا بعادات السلوقيّين من لغة وحضارة وألعاب على مثال الألعاب الاولمبيّة. أما المقاومون في الحرب فهم الغيورون الذين نبتوا بشكل خاص في الجليل. واشتهر منهم أصحاب الخناجر الصغيرة (سيكا) الذين قتلوا العديد من الأشخاص واختفوا عن الأنظار. هذا الاتجاه العنفيّ والحربيّ هو الذي يسيطر شيئًا فشيئًا فتعود البلاد كلها إلى حرب تؤخذ فيها أورشليم. ثم إلى حرب ثانية مع ابن الكوكب الذي اعتبروه المسيح المخلّص، الآتي ليحرّر شعبه من حكم الرومان. ولكن حركة العنف هذه قادت البلاد إلى الدمار، والشعب اليهودي إلى المنفى. كان قد بدأ تشتّته منذ زمن بعيد، ولكن في نهاية القرن الأول المسيحي صار المشتّتون (أو المشتات) يشكلّون عشرة أضعاف سكان اليهوديّة والجليل. فتوزعوا في كل المدن ولاسيّما انطاكية والاسكندريّة ورومة، وكانت لهم مجامع في كل حوض البحر المتوسط، بل في العالم الشرقي، في بابل وغيرها من المدن.

**************


ويذكر ان حكم الرومان لهذه البلاد بدأ عام 63 ق.م. عندما استولوا على المملكة (الحَشْمونائية) اليهودية المستقلة. وقد أبقى الرومان في اول الامر على المملكة اليهودية, وفرضوا حكما غير مباشر على البلاد بتعيين حكام من الاسرة المالكة اليهودية, ثم منذ عام 40 ق.م. من خلال اقامة مملكة محمية تحت حكم الملك اليهودي الادومي الاصل (هيرودوس). ولكنه في العام السادس الميلادي, قرر الرومان الغاء مكانة البلاد كمملكة محمية, واخضاعها لحكمهم المباشر.

اما العوامل التي دفعت اليهود الى القيام بثورتهم الاولى على الرومان, فيعزوها المؤرخون الى الاستياء الشديد من سياسة الملك (هيرودوس) الهادفة الى جعل مملكته جزءا عضويا من الامبراطورية الرومانية سياسيا وثقافيا واجتماعيا, بما في ذلك توطين أعداد كبيرة من الجنود الاجانب في مدن جديدة اقيمت في البلاد لهذا الغرض, أهمها قيسارية وسبسطية.

ومع ذلك يشار الى ان الملك هيرودوس دأب على دعم مكانة اورشليم كمركز روحي يهودي لمملكته, وأقام مباني فاخرة فيها, ونفذ اعمال ترميم واسعة النطاق للهيكل. كذلك تمتع اليهود خلال عهده بحرية دينية مطلقة وباوضاع اقتصادية حسنةو حيث شهدت البلاد موجة تطوير واعمار لم يسبق لها مثيل.

الا ان هذه الاوضاع تغيرت كليا بعد وفاة الملك (هيرودوس) واخضاع البلاد للحكم الروماني المباشر. وقد توالى على دست الحكم منذ العام السادس الميلادي 14 حاكما رومانيا, لم يعنهم شيء من أوضاع البلاد واحوال سكانها, بل كان جل هدفهم استغلال خيرات البلاد وجباية الضرائب.

كذلك ازدادت خلال تلك الفترة حدة التوتر بين اليهود وبين الاجانب القاطنين في المدن المختلطة, ليبلغ ذروته قبيل نشوب ثورة عام 66 عقب قرار الامبراطور الروماني نيرون منح امتيازات لسكان مدينة قيسارية الاجانب, وتجريد سكانها اليهود من حقوقهم كليا, ثم بسبب اقدام الرومان على انتهاك حرمة الهيكل المقدس, بادخال اصنام وتماثيل للاباطرة الرومان البه.

على هذه الخلفية نشأت في البلاد عدة حركات دينية وقومية يهودية, كانت لكل منها رؤيتها الخاصة لمواجهة الظروف القاسية وايجاد مخرج منها. وكانت أهم تلك الحركات من حيث دورها في إشعال فتيل الثورة, حركة (هَكَاَنَائيم), أي المتعصبين المتطرفة التي رفض أفرادها الاعتراف بحكم الإمبراطور الروماني, بداعي ان الرب عز وجل هو وحده يحكم شعب اسرائيل. وآمن هؤلاء بانه يجب على الشعب اليهودي محاربة الغزاة الرومان لكي تتهيأ الظروف لمجيئ يوم الخلاص, حيث يفرض الرب تعالى حكمه على العالم باسره.

وقد تسنى لافراد حركة المتعصبين اشعال شرارة الثورة على الرومان في اعقاب اقدام الحاكم الروماني على نهب خزينة الهيكل. وفي الوقت ذاته نشبت صراعات دموية بين اليهود والاجانب القاطنين في المدن المختلطة في البلاد, مما حمل الرومان على ارسال قوات من سوريا. ومع ان هذه القوات سيطرت على الموقف في شمال البلاد والسهل الساحلي, الا انها منيت بهزيمة كبيرة بالقرب من اورشليم .

هذه التطورات حدت بالامبراطور (نيرون) الى ارسال قائد قواته الاعلى (فسبسيانوس) الى البلاد على رأس 60 الف جندي لقمع الثورة. وتوجه الجيش الروماني فور وصوله الى البلاد عام 67 ميلاديا الى منطقة الجليل, وتمكن من الاستيلاء عليها. فانسحب المقاتلون اليهود من الجليل الى اورشليم, لينضموا الى الثوار داخل المدينة, واخذوا يعدون العدة لمواجهة هجوم الجيش الروماني.

وفي غضون ذلك اندلع خلاف حاد بين قادة الثوار اليهود من المتعصبين وبين وجهاء المدينة الكهنة الذين سعوا الى وقف الثورة, باعتبار ان اليهود لا يستطيعون الصمود بوجه الامبراطورية الرومانية لمدة طويلة, وان استمرار الثورة سيجلب بلا شك الخراب والدمار على المدينة. وتدهور هذا الخلاف الى حرب أهلية بين الجانبين, انتهت بانتصار المتعصبين. وتفاقمت الاوضاع داخل المدينة اكثر في اعقاب اندلاع صراعات داخلية بين فئات ا لمتعصبين حول السيطرة على المدينة.

وفيما كانت هذه الصراعات تدور رحاها داخل اورشليم, فضل قائد الجيش الروماني الامتناع عن مهاجمة المدينة والانتظار حتى تنهك قوات الثوار اليهود نفسها بنفسها. الا انه بحلول عام 68 , اضطر قائد القوات الرومانية الى مغادرة البلاد, دون ان يهاجم اورشليم, وذلك عقب وفاة الامبراطور (نيرون) وتعيينه ذاته فيما بعد امبراطورا جديدا. و في ربيع عام 70 الميلادي وصل نجله (تيطُس) الى المدينة, وفرض حصارا عليها. وبعد 4 اشهر من المعارك الطاحنة, سقطت اورشليم بايدي الجيش الروماني, الذي اضرم النار في الهيكل, ودمر المدينة دمارا شاملا, وأجلى ما تبقى من سكانها عنها.

وبعد سقوط أورشليم, لجأت مجموعات من المقاتلين اليهود المتطرفين إلى عدة قلاع محصنة في جنوب البلاد لمواصلة الكفاح ضد الرومان. وقد افلح الجيش الروماني الاستيلاء على كافة القلاع, ما عدا قلعة واحدة هي قلعة (ميتسادا) المطلة على البحر الميت. ولم يتمكن الجيش الروماني من اقتحام هذه القلعة إلا في عام 73, وبعد حصار طويل.

وقد أسفرت ثورة اليهود أيضا عن كبت حرية اليهود الدينية وعن تدني أحوالهم, حيث تمت مصادرة أراضيهم, وفرضت عليهم ضرائب ثقيلة. وفي عام 130 الميلادي, اعلن الامبراطور (هادريانوس) عند زيارته للبلاد, عن تغيير اسم مدينة اورشليم الى (إليا كابيتولينا), نسبة الى اسرة (إيليوس) الامبراطورية, والى تلة (الكابيتوليوم) في روما, حيث هيكل (جوبيتر), وعن نيته اقامة معبد لجوبيتر على انقاض الهيكل المقدس. هذه التطورات حدت بجزء من سكان المنطقة اليهود الى القيام بثورة اخرى على الرومان عام 132 ميلاديا بقيادة الزعيم شمعون بار كوخفا.

ومع ان الثوار اليهود افلحوا في بداية الامر في تحقيق انتصارات تذكر على القوات الرومانية, اهمها تحرير اورشليم, الا ان الرومان ارسلوا الى البلاد تعزيزات عسكرية من مصر وسوريا, وافلحوا في قمع الثورة بحلول عام 135 .
وهذه المرة اسفرت الثورة عن مقتل وتشريد ما يقدر ب600 الف من سكان البلاد اليهود, بل وعن اقدام الرومان على طمس أي ذكر لليهود في هذه البلاد, حيث استبدلوا اسمها الرسمي, وكان (يوديئا) أي اليهودية, باسم (باليستينا), أي بلاد الفلسطينيين. وكان الفلسطينيون شعبا غربيا كالرومان, قدم الى البلاد من جزيرة كريت اليونانية في القرن الثالث عشر قبل الميلاد, واستوطن منطقة الساحل الجنوبي, ثم انقرض قبل مجيء الرومان.

ويشار الى ان ثورتي اليهود على الرومان هما من الوقائع المختلف عليها في تاريخ الشعب اليهودي. فمن جهة اصبح كفاح الشعب اليهودي من اجل استعادة استقلاله وسيادته على وطنه, ووقوفه ضد الامبراطورية الرومانية العظمى رغم قلة عدده وعتاده, رمزا وقدوة في تاريخ هذا الشعب. الا انه من الجهة الثانية تمخضت هاتان الثورتان عن عواقب وخيمة بالنسبة للشعب اليهودي, حيث دُمرت عاصمته السياسية والروحية, وتشرد العديد من أبنائه وبدأ يفقد تواجده في هذه البلاد.

هذا, وبعد اخماد نيران الثورة اليهودية الثانية, تركز سكان البلاد اليهود في المنطقة الشمالية منها, حيث تمتعوا بحرية نسبية. ومع ذلك, ولا سيما منذ بداية القرن الثالث الميلادي, تاثر سكان البلاد اليهود سلبا بالازمة السياسية والاقتصادية التي انتابت الامبراطورية العثمانية . وقد استمر حكم الرومان على هذه البلاد قرابة 450 عاما, أي من عام 63 قبل الميلاد الى عام 323 ميلاديا, حيث اصبحت البلاد خاضعة لحكم البيزانطيين.

 

 

 


اليهودية نعرف ثورتين كبيرتين ضدّ رومة في فلسطين.

بدأت الأولى سنة 66 على أيام نيرون، وسُحقت سحقًا كاملاً سنة 73 في عهد وسباسيانس.

 

وامتدّت الثانية من سنة 132 إلى 135 في أيام هدريانس. بالإضافة إلى ذلك، حصلت تحرّكاتٌ عنيفة في الشتات الشرقي بين سنة 115 و 117. 1) الثورة اليهوديّة الأولى (66-70). تحدّث المؤرّخ فلافيوس يوسيفوس في "الحرب اليهوديّة" (2-7) عن هذه الثورة. كما روى ما عمله شخصيًّا في الجليل في "السيرة الذاتيّة". إنّ الثورة التي اندلعت سنة 66، قد سبقها هياج شعبي ابتدأ منذ موت هيرودس، وتوسّع مع ولاية بونسيوس بيلاطس (أو بيلاطس البنطي) (26-36). في بعض الحالات، نحن أمام أعمال لصوصيّة هي نتيجة الفقر المدقع الذي سيطر على صغار القوم. ولكنّ عددًا من التمرّدات جاءت من أشخاص ادّعوا النبوة فأعلنوا للشعب الخلاص القريب : فالنجاح الذي لاقاه سمعان (كان عبدًا عند هيرودس وأعلن نفسه ملكًا) وأترونجيس (كان راعيًا، هرب إلى البريّة وظلّ يقاوم عدّة سنوات) وتوداس (الذي وعد الناس بأن الأردن سيتحرّك أمام تلاميذه) والمصري (الذي ظنّ أنه يستطيع بكلمة أن يسقط أسوار أورشليم)، يكفي لكي يدلّ على قلق في عقول شعب استعدّ أن يتقبّل أية علامة عن الأزمنة المسيحانيّة (رج أع 5 : 36؛ 21 : 38). بدأت ثورة 66 بأكثر من فتنة في أورشليم وفي قيصريّة. ففي قيصريّة تشاجر اليهود مع يونانيّين يعيقون دخول الناس إلى المجمع. وفي أورشليم، وضع الحاكم فلوروس يده على 17 وزنة في كنز الهيكل، فهزئ الناس منه وبدأوا يجمعون له المال في سلال. حينئذ هاجم الجيشُ الجماهير، فقتل 3600 شخص في 3 حزيران 66. ورغم تدخّل هيرودس أغريباس الثاني وأخته برنيكة، ارتفعت حدّة التوتّر ولم يعد من الممكن العودة إلى الوراء. احتلّ المتمرّدون مصعدة وسلاحها، وحاصروا الحامية الرومانيّة في أورشليم وقتلوا جميع الجنود. وقُتل رئيس الكهنة حنانيا بيد أصحاب الخناجر (* سيقاريم). في الوقت عينه قُتل 20000 يهوديّ في قيصريّة. فردّ اليهود بهجوم على مدن فيلدلفية (عمان)، حشبون، جراسة، بلا، سيتوبوليس (بيت شان)، جدارة، هيبوس، بتولمايس (أو عكا)، جابا، عسقلون، انتيدون، غزّة. فطارد الوثنيّون اليهود في سورية وفلسطين. وامتدّت الثورة فدفعت حاكم سورية، سستيوس غالوس، إلى التدخّل مع الفوج الثاني عشر فولميناتا. فوصل بسرعة إلى أورشليم، وبدأ يحاصرها في تشرين الثاني سنة 66. ولكنّه أجبر على التخلّي عن هذا الحصار. فتراجع. غير أنّ هجوم أصحاب الخناجر جعل من تراجعه هزيمة. واستفاد المتمرّدون من الشتاء لكي ينظّموا صفوفهم، واستعدّت رومة للردّ بقوّة. وإذ كان نيرون في اليونان سلّم قيادة الحرب اليهوديّة إلى وسباسيانس. ولكن وسباسيانس لم يكن معروفًا في ذلك الوقت. وكانت بأمرته ثلاثة فيالق : العاشر (فراتنسيس) الخامس (مكيدونيكا، أخذه من سورية)، الخامس عشر (ابوليناريس، جاء به ابنه تيطس من مصر). وأضيف إلى هذه الفيالق الجيوش المساعدة، والوحدات التي جنّدها أنطيوخس الرابع كوماجينس، وسوئيموس الحمصي، وملخوس الانباطي، وهيرودس أغريباس الثاني. فصار عدد الجنود 50000. وزحف وسباسيانس في ربيع 67 حتى بتولمايس، ومن هناك بدأ بإخضاع الجليل. خضعت صفورية. ثمّ حاصر يوتاباتا التي دافع عنها فلافيوس يوسيفوس. ثمّ احتلّ طبريّة وتريخاي وغمالا. واستسلمت في ذلك الوقت جسكالا لابنه تيطس. وهكذا، عاد الجليل كلّه (بما فيه الجليل الأعلى) إلى السلطة الرومانيّة في تشرين الثاني 67. وانطلق وسباسيانس إلى قيصريّة البحريّة مع فَيْلقين، ساعة كان تريانس (والد الإمبراطور العتيد تريانس) يقضي الشتاء في سيتوبوليس مع الفيلق العاشر. وفي الربيع التالي بدأ الرومان عمليّة الكماشة التي ستعزل أورشليم عمّا حولها : عبَر تريانُس الأردنَ ليخضع بيريه، وقاد قرياليس الفيلق الخامس إلى انتيبتريس وعماوس (أو : عمواس) وجعل حاميات في أدومية. وتقدّم وسباسيانس عبر السامرة فالتقى تريانس في أريحا في حزيران 68. في ذلك الوقت، هاجمت الفرق المساعدة التي ترافق الفيلق العاشر مباني * قمران ودمّرتها. وهكذا في بداية صيف 68، لم يعد يسيطر المتمرّدون إلاّ على أورشليم، بيت لحم، هيروديوم، الضفة الغربيّة للبحر الميت مع مصعده، وحدود بيريه مع قلعة مكاور. كان وسباسيانس يستعدّ لمحاصرة أورشليم ساعة عرف أن نيرون عُزل وانتحر، وأنّ مجلس الشيوخ والجيش أعلنوا غلبا امبراطورًا. قلق من توالي الأحداث، وانتظر تثبيته في مهمّته، وأوقف كل الأعمال العسكريّة. في ذلك الوقت كان تيطس في أثينة مع هيرودس أغريباس الثاني يستعدّ ليقدّم تهانيه للإمبراطور الجديد، ساعة علم أن غلبا قُتل، وأنّ رومة أعلنت أوتون أمبراطورًا، وجيوش جرمانية (أي المانيا) أعلنت فيتاليوس. فعاد تيطس أدراجه. والأخبار الآتية من رومة دفعت جيوش الشرق بدورها إلى المؤامرة، فأعلنت وسباسيانس إمبراطورًا في الأول من تموز في مصر، وفي الثالث منه سنة 69 في سورية. وفي ربيع سنة 70 انطلق إلى رومة حيث أمّن له محازبوه السلطة، وترك تيطس ينهي الحرب اليهوديّة. لم يستفد المتمرّدون من هذه الأشهر التي مرّت فيها رومة في أزمة، بل عاشوا في طمأنينة كاذبة، وتركوا المطامح الشخصيّة تتغلّب على المصلحة العامّة. وكان من نتيجة هذه المنازعات أنها أزالت رؤساء الأرستوقراطيّة، وتركت الساحة مفتوحة لعناصر معروفة بجذريّة مواقفها : الغيورون، أصحاب الخناجر (سيقاريم)، الأدوميون. ولما بدأ تيطس حصار أورشليم، كان فناء الهيكل الداخليّ في يد اليعازر الغيور، والأروقة الداخليّة في يد يوحنا جسكالا، والمدينة العليا وقسم من المدينة السفلى في يد أصحاب الخناجر والأدوميّين بقيادة سمعان بر جيورا. وهكذا كان المدافعون كلّهم 18000 رجلاً. أحاط تيطس بالمدينة، وأطلق هجومه الرئيسيّ على المنطقة الشماليّة، على أقدس مكان. فاحتلّ في 25 أيار محلّة بيت زاتا. وفي نهاية تموز، سقطت قلعة أنطونيا بعد معارك ضارية. وقويَ ضغطُ المهاجمين، وكادت الحيوانات تنفد، فأجبر الكهنة على إلغاء الذبيحة اليوميّة. وكان الهجوم الأخير في 27 آب. وفي 30 آب أحرق المعبد. وتواصل القتال في المدينة العليا التي أسلمت للنيران في 25 تشرين الأول سنة 70. سنة 71، احتَفل وسباسيانس وتيطس بانتصارهما المشترك على اليهوديّة. وحُكم على سمعان بر جيورا بالإعدام، ونفّذ الحكم في احتفال علني. وفي السنة عينها سقط هيروديوم ومكاور في يد الرومان. فلم يبقَ إلاّ مصعدة. حاصرها الرومان شهورًا طويلة إلى أن سقطت في 2 أيار 73، وكان فيها امرأتان وخمسة أولاد. أما المقاومون (كان عددهم 935) ففضّلوا الانتحار على العبوديّة. وهكذا خسرت فلسطين كلّ استقلال، فحكمها والٍ يراقب فيها كلّ شيء مع الفيلق العاشر (فراتنسيس) الذي أقام في قصر هيرودس القديم. وأغلِق الهيكل الذي كان قد دُمّر، وذهبت ضريبة الدرهمين إلى الصندوق الروماني (الضريبة اليهودية)، لا لخدمة هيكل الله، بل هيكل جوبتر كابيتولين (أي ذلك الذي يقيم في الكابيتول، إحدى هضاب رومة). حسب فلافيوس يوسيفوس، مات في تلك المعارك 1100000 شخص، إن بسبب الحرب أو بسبب المجاعة. أما الأسرى (وكانوا 97000) فقُتلوا، أو بيعوا عبيدًا، أو أرسلوا إلى الأعمال الشاقة في مصر أو اليونان (قنال كورنتوس) أو سورية (تحديث مرفأ سلوقية). ألغيت ليتورجيّة الهيكل، فخسرت الطبقةُ الكهنوتيّة علّة وجودها. أما الحزب الفريسيّ الذي كان معتدلاً في تلك الحرب، فخرج قويًّا بعد الهزيمة : كان يوحنان بن زكاي، تلميذ هلال، قد لجأ إلى الرومان قبل سقوط أورشليم، فسُمح له بأن يؤسّس مدرسة في يمنية (يبنة) حيث بدأوا ينسخون تقاليد معلّمي الشريعة. إنّ التلميحات التي نجدها في الأناجيل (مت 23 : 37-24 : 2؛ مر 13 : 1-3؛ لو 13 : 34-35؛ 21 : 20-24) تدلّ على أنّ المسيحيّين فسّرّوا هذه الأحداث كعقاب مثاليّ ناله اليهود لقلّة إيمانهم، وكبرهان على أنّ الهيكل بناء عابر. وإن جماعة أورشليم المسيحيّة تخلّت عن مناطق الثورة، وما تضامنت مع اليهود، بل لجأت إلى بلا في شرقيّ الأردن. وبدأ بالنسبة إلى اليهود زمنٌ بدون ليتورجيّا، فعكفوا على التأمّل في التوراة واستبطانها بانتظار خلاص فردي يناله الأبرار. 2) قلاقل في الشتات (115-117). وبدأت القلاقل في الشتات ساعة كان الإمبراطور تريانس يحارب البرتيين (أو الفراتيّين). وانطلق من القيروان حيث تمرّد اليهود بأمرة لوقواس أو اندرياس الذي اعتبر نفسه ملكًا. وامتدّت إلى قبرص وفلسطين وإلى بلاد الرافدين التي جعلها تريانس مقاطعة رومانيّة. في قيريني، سلب المتمرّدون الهياكل، وأكلوا لحوم البشر. والمدوّنات التي بقيت في تلك الأمكنة تدلّ على اتّساع الدمار. وتبيّنُ البردياتُ في مصر، أن الحاكم أُجبر على تنظيم جيوش (ميليشيات) محليّة لمقاومة الثورة. وظلّوا يعيّدون حتى سنة 200 انتصارهم على اليهود. وفي قبرص بلغ عدد الضحايا 240000. فطُرد اليهود من الجزيرة وما سُمح لهم بعد بالإقامة فيها. قمعت رومة هذه القلاقل بقساوة كبيرة في القيروان وفلسطين وبلاد الرافدين. أما اليهود فقد فعلوا ما فعلوا لأنهم غذّوا الآمال الاسكاتولوجيّة الكبيرة : فتوقّفُ الليتورجيا في الهيكل يدلّ على اقتراب الدينونة، وتكون المملكة الرومانيّة آخر سلطة تسود العالم قبل الزمن المسيحاني. ثمّ إنّه حدث زلزال في أنطاكية دمّر المدينة كلّها سنة 115، ففُهم أنه بداية عهد جديد. 3) الثورة اليهوديّة الثانية (132-135). لا نعرف معرفة تامّة هذه الثورة التي كانت هامّة جدًّا. يعود أصلها إلى قرار اتّخذه هدريانس سنة 131، بأن يؤسّس في أورشليم مستوطنة رومانيّة باسم "أياليا كابيتولينا". ويقول التقليد المسيحيّ إنّ اسم رئيس هذا المتمرد هو "ابن الكوكب". أما الأدب الرابيني فسمّاه بطريقة زريّة "بركوزبا" (أي ابن الكذب). فالمخطوطات التي وُجدت في مغاور وادي مربّعات، تدلّ على أنه سمّي "ب ر. ك و س ب هـ" (بركوسيبا). اعتبر هذا الشخصُ أنه المسيح، فصكّ نقودًا تقول : "في السنة الأولى لافتداء اسرائيل". أو : "في سنة حريّة أورشليم". مع ذكر "بركوسيبا، أمير (ناسي في العبرية) اسرائيل". ووافق على عمله بعضُ المعلّمين، مثل رابي عقيبة الذي كان ينعم بهالة كبيرة بسبب علمه واعتداله. ما هو مدى امتداد هذا التحرّك؟ هذا ما لا نعرفه بالضبط. ولكن يبدو أنه كان منظّمًا تنظيمًا كبيرًا. وقد وُجد في برية يهوذا 70 موقعًا كانت بمثابة ملاجئ، فيها المؤن من الطعام والماء. وقد أرسل الرومان إلى هناك قوات هامة : شاركت سبعة فيالق في القتال، ويبدو أن أحدها أفني افناء. وتدخّل في الحرب أيضًا الأسطول السوري. حوصر آخر المتمرّدين في بتّير، فسقطوا في يد الرومان الذين قتلوهم سنة 135. على أثر ذلك، حُرّم على اليهود أن يقيموا في أورشليم (ما عدا في 9 آب حيث يذهبون إلى حائط المبكى) التي صارت مدينة رومانيّة مع هيكل مكرّس لجوبيتر (أول الآلهة عند الرومان) حيث كان هيكل سليمان، وآخر لفينوس (إلاهة الحبّ والجمال عند الرومان) في موضع القبر المقدّس. وأقام الفيلق السادس في فلسطين والعاشر في أورشليم بشكل خاص. في ذلك الوقت أعيد تنظيم المجلس الأعلى (سنهدرين) وفُتحت مدارس الرابينيين في طبرية وصفورية.

This site was last updated 06/09/15