فيما يلى الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
*************************************************
الكتاب الأول: الفصل الثانى عشر
(بشأن نظام الرهبنة: أصلها ومؤسسوها)
(1/12/1) وأولئك الذين اعتنقوا الرهبنة فى هذه الفترة لم يكونوا الأدنى فى اظهار الكنيسة بأكثر ضياء والبرهنة على حقيقة عقائدهم بسلوكهم التقوى. وفى الحقيقة، أكثر الأمور فائدة التى يتلقاها الانسان من الله هى فلسفتهم([47]). فقد اهملوا فروعا كثيرة من الرياضيات والأساليب التكنيكية للجدل لأنهم اعتبروا أن مثل هذه الدراسات سخافات ومضيعة للوقت لا فائدة منها مدركين أنها لا تساهم بشىء نحو الحياة الصحيحة. لقد اخضعوا ذواتهم لغرس العِلم الطبيعى المفيد على وجه الحصر لكى ما يخففوا من الشر إن لم يقضوا عليه. لقد احجموا بثبات عن اعتبار أىَّ عمل ما أو مبدأ ما أنه جيد، إذا كان يشغل مكانا وسطا بين الفضيلة والرذيلة، لأنهم يبتهجون فقط بالصالح. إنهم يعتبرون أى انسان شريرا ذاك الذى بالرغم من امتناعه عن الشر لا يصنع خيرا. لأنهم لا يَظهرون بالجدل بل بالممارسة، ويعتبرون مجد الناس كلا شىء. وقهروا ببسالة أوجاع([48]) النفس، ولم يرضخوا لا لضروريات الطبيعة ولا لضعفات الجسد. وإذ اقتنوا قوة الذهن الإلهى، نظروا دوما إلى خالق الكل، ساجدين له ليلا ونهارا ومتوسلين بالصلوات والتضرعات، وأنجزوا، بواسطة ممارسة الأعمال الصالحة بنقاوة نفس، الفروض الدينية دون أدنى شعور بذنب. وازدروا بالتطهير([49]) والأوانى الشهوانية وما شابه ذلك من احتفالات. لأنهم رأوا أن الآثام وحدها هى [الأشياء] المُلامة. إنهم أكبر من المسببات الخارجية الخاضعين لها والمُمسَكين بها كما لو كانت كل الأشياء تحت سيطرتهم. ولذلك لا يحيدون عن الطريق الذى اختاروه، بسبب كوارث أو ضرورة تؤثّر فى الحياة. إنهم لا يحزنون عندما يُهَانون ولا يُدافعون عن أنفسهم عندما يتعرضون لمكيدة، ولا تخور عزائمهم عندما يُصابون بمرض، أو عوز فى الضروريات بل بالأحرى يبتهجون بمثل هذه التجارب ويحتملونها بصبر ودعة. إنهم يدربون أنفسهم طوال حياتهم على القناعة بالقليل، والاقتراب من الله كلما أمكن للطبيعة البشرية. إنهم يعتبرون الحياة الحاضرة كرحلة فقط، ولذلك ليسوا متهافتين على اقتفاء الثروة ولا على امدادات الحاضر بما يفوق الضروريات. إنهم يُعجَبون ببساطة وجمال الطبيعة ولكن رجاءهم فى السمائيات والبركات المستقبلية لإنهم غارقون بالكامل فى عبادة الله ويُحجِمون عن اللغة الفاحشة، ويُرذلون الممارسات الشريرة، لذلك لا يسمحون بمثل هذه الأشياء حتى أن تُذكَر. لقد حدوا كلما أمكن طلبات الطبيعة وأقمعوا الجسد ليقنع بالمدد المتواضع. لقد تغلبوا على الإفراط بالاعتدال، وعلى الظلم بالعدل، وعلى الباطل بالحق، وحازوا على الوسطية السعيدة فى كل شىء. وعاشوا فى اتساق وشركة مع جيرانهم. لقد زوَّدوا الأصدقاء والغرباء الذين فى حاجة ما، كلا بحسب حاجته وعزّوا الحزانى. وإذ كانوا مجتهدين فى كل شىء وغيورين فى السعى نحو الخير الأسمى، كان تعليمهم بالرغم من أنه ملتحف بالاتضاع والفطنة وخالٍ من البلاغة الباطلة، كان يحوز على قوة كدواء ناجع فى شفاء الأمراض الأخلاقية لسامعيهم. لقد تكلموا أيضا بخوف ورعدة مُحذرين من كل نزاع وغضب وتهكم. وفى الحقيقة، ساد المعقول على سائر الانفعالات غير المعقولة، وخمدت الأهواء الطبيعية والجسمانية.
(1/12/2) لقد كان يوحنا المعمدان وايلياس النبى مؤسسا هذه الفلسفة السامية، كما يقول البعض، ويروى فيلو الفيثاغورى([50]) أنه فى زمانه كان العبرانيون يلتقون معا، من سائر أرجاء الدنيا، فى مكان من البلد يقع على تل بالقرب من بحيرة ماريوتيس بقصد الحياة كفلاسفة([51]). ويصف مساكنهم، ونظامهم اليومى، وعاداتهم، والتى كانت تماثل نلك التى نقابلها اليوم فى رهبان مصر. ويقول أنه من اللحظة التى يُخضِعون فيها أنفسهم لدراسة الفلسفة يتخلون فيها عن مقتناياتهم لأقربائهم، ويهجرون الأعمال والمجتمع ويسكنون خارج الأسوار منفردين فى الحقول والبساتين. ويخبرنا أيضا أنه كان لهم مبانى مقدسة، كانوا يدعونها أديرة، كانوا يسكنون فيها منفردين([52]) وينشغلون بالإحتفال بالسرائر المقدسة وعبادة الله بالمثابرة على التسابيح والمزامير. ولا يذوقون طعاما قط قبل غروب الشمس، وبعضهم يتناولون طعاما كل ثلاثة أيام فقط، أو حتى مدة أكثر. وأخيرا، يقول أنه فى أيام معينة ينطرحون أرضا ويمتنعون عن النبيذ ولحم الحيونات، وطعامهم الخبز فقط ممزوجا بالملح والزوفا([53])، وشرابهم الماء. وأنه كانت هناك نساء بينهم عاشوا كعذارى إلى الشيخوخة محبة فى الفلسفة، واختاروا بإرادتهم الطواعية التبتل.
(1/12/3) وفى هذه الرواية يبدو أن فيلو يصف يهودا معينين اعتنقوا المسيحية، ولكنهم ظلوا يُبقون على عادات أمتهم. إذ لم توجد أيٌ من ملامح هذا النمط من الحياة فى أى مكان آخر. ومن ثمة فإننى أخلص إلى أن هذه الفلسفة([54]) قد ازدهرت فى مصر فى هذه الفترة. ومع ذلك، يؤكد آخرون أن هذا النمط من الحياة قد نتج عن الاضطهادات التى كانت تثور من وقتٍ إلى آخر والتى بسببها اضطر الكثيرون إلى الفرار إلى الجبال والصحارى والغابات ثم صاروا يعتادون هذا النوع من الحياة([55]).
**********************
المراجع
[47] - أى وجهة نظرهم إزاء مناحى الحياة. وتعبير سوزمينوس هنا ترديد لمفهوم "الغنوسية المسيحية" أى "المعرفة المسيحية" ولما كانت كلمة فلسفة تعنى لُغويا "محبة الحكمة" أى محبة المعرفة الجيدة. فمن هنا استخدمها سوزمينوس اصطلاحا للرهبنة بإعتبارها ، فى نظره، الطريق للمعرفة "الحقيقة" لله.
[48] - "أوجاع" هى الكلمة التى تُتَرجم أيضا إلى "أهواء" والتى كانت موضوع كُتُب القِسم الثانى من عمل كاسيان "الأنظمة"، أنظر ترجمته للمعرب.
[49] - اليهودى.
[50] - أى من أتباع فيثاغورس.
[51] - يُلاحظ هنا أن الجماعة التى تكلم عنها فيلو المؤرخ اليهودى الاسكندرى، والتى كانت تحيا بالقرب من بحيرة مريوط الحالية، دون أن يذكر جنسيتهم أو ديانتهم، يقول سوزمينوس هنا صراحة أنها كانت تتكون من العبرانيين. وهو بهذا أول من نعتها بوضوح هكذا. وفى نظرى لعلها كانت امتدادا لحركة الآسينيين القديمة فى وادى قمران.
[52] - واضح هنا من وصف سوزمينوس، أنه أخذ كلمة monastery بمعناها اللُغوى وهو مسكن الراهب أو الناسك، وليس بمعناها الاصطلاحى وهو الدير المسوَّر بشكله الحالى.
[53] - الزوفا أو بالإنكليزية (بالإنكليزية: Hyssop) هو عشب يُعرَف أيضاً بأشنان داود. موطنه الأصلي حوض البحر الأبيض المتوسط. يكثر في الأراضي الكلسية المشمسة. ويعتبر أحد أنواع النباتات التي تنمو في المستنقعات المالحة في أماكن كثيرة من العالم. له استعمالات طبية عديدة، ولكن يمكن استخدام بعضه كغذاء للإنسان، ويمكن تخليله. أنظر شكله وفوائده الطبية العديدة بإحدى مواقع البحث الإلكترونى.
[54] - يحلو لسوزمينوس، كما قلنا سابقا، نعت الرهبنة طوال هذا العمل بالفلسفة، إذ كان يراها "حُب الحكمة الحقيقية" التى هى معرفة الكلمة الإلهى. أنظر التمهيد للمعرب.
[55] - بينما يحاول البعض الاعتراض على هذا العامل، فإن الدراسة التاريخية المحضة، ترى أنه كان بالفعل أحد عوامل اللجوء الى الصحارى، ثم التنسك، ليس فقط فى مصر ولكن فى كل بلاد الشرق، وهى البلاد التى عانت من اضطهادات مريرة عديدة، دينية ومذهبية عبر القرون الوثنية والمسيحية والاسلامية، وما زالت تئن بأنواع شتى حتى الآن. أنظر عن ذلك، رسالة المعرب لنيل الماجستير. وتاريخ أديرة وادى النطرون، ايفيلين هوايت، ترجمة المعرب. و"الرهبنة القبطية ما لها وما عليها"، مذكرات للمعرب.