فيما يلى الجزء التالى من كتاب التاريخ الكنسى لسوزمينوس THE ECCLESIASTICAL HISTORY - OF Sozomen .. ترجمه من اليونانية : Chester d. Hartranft .. ونقله الى العربية : الدكتور/ بولا سـاويرس نقلا عن : NPNF, II, 1890 A.D.
*************************************************
الكتاب الأول: الفصل الرابع عشر
(عن القديس آمون، ويوتيخيوس فى أوليمبوس)
(1/14/1) وفى نحو هذه الفترة تبنى آمون المصرى [هذه] الفلسفة. لقد قيل أنه قد أُجبِر على الزواج من قِبل أسرته. ولكنه لم يعرف أبدا زوجته جسديا، لأنه فى يوم زواجه عندما كانا منفردين، وبينما يقود كعريس عروسه إلى فراش الزوجية، قال لها آه يا أمراة إن زواجنا قد حدث ولكنه لم يكمل. وعندئذ أظهر لها من الأسفار المقدسة أن خيرها الرئيسى أن تبقى عذراء وحثها على الحياة منفردين. وقد اقتنعت بحُججه بشأن البتولية، ولكنها كانت محصُورة بفكرة الحياة المنفصلة عنه. ولذلك على الرغم من أنه كان يعيش فى فراش منفصل، فإنه ظل لمدة ثمانى عشرة سنة لا يهمل تدريباته الرهبانية.
(1/14/2) وفى النهاية تشددت المرأة بقوة بفضيلة زوجها واقتنعت أنه ليس من العدل لرجل كهذا أن يعيش بسببها فى المجال البيتى. ورأت أنه من الضرورى لكل منهما من أجل الفلسفة أن يعيش بمفرده منفصلا عن الآخر فإلتمست من زوجها هذا.
(1/14/3) لذلك رحل بعد أن شكر الله على مشورة زوجته وقال لها ابقِ أنتِ فى هذا البيت وأنا سأصنع آخر لنفسى، واعتزل فى مكان صحراوى جنوب بحيرة مريوط بين الاسقيط وجبل يُدعى نيتريا.
(1/14/4) وهكذا كرَّس نفسه خلال إثنين وعشرين سنة للفلسفة، وكان يزور زوجته مرتين فى السنة. وكان هذا الرجل التقى مؤسس الأديرة هناك [أى فى نيتريا] وجمع حوله الكثيرين من التلاميذ، كما تُظهِر السجلات.
(1/14/5) وحدثت له كثير من الأحداث غير العادية التى سُجِلَّت بدقة من قِبل الرهبان المصريين، الذين بذلوا كلَّ ما فى وسعهم لإحياء ذكرى فضائل أقدم النساك، وحفظوها فى تقليد شفاهى غير مكتوب متعاقب([62]). واننى سأروى بعضها على قدر معرفتنا.
(1/14/6) حدث أن خرج آمون وتلميذه ثيودور ذات يومٍ فى سفر إلى مكان ما، واضطر إلى عبور قناة تُدعَى ليكوس. فأمر آمون ثيودور أن يرجع إلى الخلف لئلا يرى كل منهما عرى الآخر. وإذ كان هو بالمثل يخجل أن يرى نفسه عاريا، شعر بقوة إلهية تمسكه وتحمله إلى الضفة الأخرى. وعندما عبر ثيودور المياه أدرك أن ثياب وأقدام الكبير ليست مبتلة، وعندما استعلم عن السبب لم يتلق جوابا. فألح بشدة فى هذا الموضوع، وأخيرا اعترف آمون بعد أن اشترط عليه ألا يذكر ذلك خلال حياته بالحقيقة.
(1/14/7) وفيما يلى معجزة أخرى من نفس النوع. أحضَر إليه بعض الأشرار ابنا عقره كلب مسعور وكان على شفا الموت، وتوسلوا إليه بدموع أن يشفيه. فقال لهم: ابنكم ليس فى حاجة الىَّ ليُشفى، ولكن إن رغبتما فى شفائه، فردوا الثور الذى سرقتموه إلى أصحابه، فيُشفَى فى الحال. وكانت النتيجة كما توقع. رُدَّ الثور، وشُفِىَّ الابن فى الحال.
(1/14/8) وقيل أنه عندما توفى آمون رأى انطونيوس روحه صاعدة إلى السماء، وتقوده القوات السمائية مرتلة المزامير. وعندما سأله مرافقوه عن علة اندهاشه، لم يُخفِ الأمرَ عنهم، لأنه كان ينظر إلى السماء بشدة وكانت دهشته واضحة من المنظر العجيب. وبعد ذلك بوقت قصير حضر أناس من الاسقيط، وأبلغوا ساعة وفاة آمون. وتأكدت حقيقة ما قد قاله انطونيوس.
(1/14/9) وهكذا كما شهد جميع الصالحين كان كلٌ من هؤلاء الرجال القديسين مباركا فى سلوك معين. الواحد براحته من هذه الحياة، والآخر بإعتباره مستحقا لمعاينة المشهد العجيب الذى أراه اياه الرب. لأن انطونيوس وآمون كانا يعيشان على مسافة سفر عدة أيام بين بعضهما البعض. وهذه الرواية تُلِيَت من قِبل الذين كانوا مُلمين شخصيا بكل منهما.
(1/14/10) واننى مقتنع أنه فى خلال هذه الفترة كان تبنى يوتيخيانوس Eutychianus للفلسفة([63])، وقد اختار موضع اقامته فى بيثينيا بالقرب من اوليمبس وكان ينتمى إلى شيعة النوفاتيين([64]). وكشريك فى النعمة الإلهية شفى أمراض وأجرى معجزات، وبسبب شهرة حياته الفاضلة حرص قنسطنطين على صداقته به وعلاقته الحميمة.
(1/14/11) وفى حوالى ذلك الوقت حدث أن أُتهِم أحد الحرس الخصوصيين بأنه يدبر مكيدة ضد السلطة، فهرب. وبعد بحث عُثِر عليه بالقرب من اوليمبس. فإلتمس اقرباؤه من يوتيخيانوس أن يتشفع عنه لدى الإمبراطور وفى نفس الوقت يطلب رفع القيود عن الأسير لئلا يموت تحت ثقلها.
(1/14/12) ويُروَى أنَّ يوتيخيانوس ارسل إلى الضباط الذين يضعون الرجل فى الحبس طالبا منهم أن يحلوا القيود عنه. وعندما رفضوا ذهب بنفسه إلى السجن وكانت أبوابه موصدة وفتحها فسقطت القيود عن الأسير. وارسل يوتيخيانوس تقريرا بعد ذلك إلى الإمبراطور الذى كان يقيم آنذاك فى بيزنطة وحصل بسهولة على عفو. لأن قنسطنطين لم يكن يبغى رفض طلبه، لأنه كان يكرم الرجل بشدة.
(1/14/13) لقد أوردتُ الآن بإيجاز تاريخ معلمى الفلسفة الرهبانية الأكثر شهرة. فإذا أراد أى شخص الحصول على معلومات أكثر دقة عن هؤلاء الرجال فسيجدها فى السير التى كُتِبَت عن الكثيرين منهم.
******************************
المراجع
[62] - هذا التقليد الشفاهى كان قد سجله بالاديوس وروفينوس وجيروم وكاسيان كتابة . وكانت هذه الأعمال بالطبع متاحة وفى متناول اليد فى تلك الفترة التى بدأ فيها كتابة تاريخه هذا. وقد شكَّلت بالطبع مصادرا اساسية لتاريخه هذا وإن لم يذكر اسماء مَن نقل عنهم.
[63] - أى للرهبنة.
[64] - يجب ملاحظة أن هذه الشيعة لم تكن بدعة فى العقيدة والإيمان، ولكنها كانت تمثل موقفا متشددا من جهة "الساقطين" بالضعف البشرى.