إن المصادر الإسلامية تصور محمد كشخصية خارقة. كما يعلم الجميع، أول سيرة مدونة كتبها ابن اسحاق بطلب من الخليفة العباسي خلال القرن 2 الهجري. وابن اسحاق أصلا مشكوك في مصداقيته حسب المسلمين أنفسهم. جاء بعده ابن هشام وكتب سيرته استنادا على سيرة ابن اسحاق مع حذف ما اعتبره مسيئا أو غير صحيح. والغريب في كتب السير، أن القصص يتم إغناؤها بتفاصيل جديدة مع مرور الزمن!😮 رغم أن الكتابات المبكرة للسيرة لا تهتم نسبيا للأسانيد مثل نظيرتها المتأخرة. وهذا يجعلنا نشك حتى في الأسانيد التي يعتبرونها قوية وصحيحة، ويدل على الانحياز العاطفي. وهو ما يجب تجنبه لتكوين صورة أقرب نسبيا للحقيقة، كما أننا لا نتوفر على أي مخطوطة لهذه السير! أتت بعد ذلك خلال القرن 9 فما فوق كتب تتحدث عن محمد وسيرته مثل المغازي للواقدي، الطبقات لابن سعد، الشفا للقاضي عياض، البداية والنهاية لابن كثير..الخلاصة أن أول تاريخ إسلامي مكتوب جاء بعد حوالي 200 عام من الأحداث، فكيف نصدق هذه المصادر وحدها؟! إذن علينا أن ندرس الموضوع ليس فقط من المصادر الإسلامية أو نقتصر على المصادر غير الإسلامية وحدها مثلما فعلت باتريشيا كرون. يجب التوفيق بين هذه المصادر وهو ما قام به باحثون آخرون مثل روبرت هويلاند تلميذ كرون،وهذا التوليف هو الذي أميل له عرض هويلاند في كتابه "رؤية الإسلام كما رأوه الآخرون" مجموعة من المصادر غير الإسلامية، منها: وثيقة تدعى بالحوليات المارونية، وقد تكون أول مصدر خارجي يتحدث عن محمد وتؤرخ للفترة ما بين 658 إلى 665م. وأهم ما جاء فيها أن معاوية كان ملكا للعرب في دمشق في نفس الوقت الذي كان فيه ملك ثان للعرب اسمه محمد في مكان آخر. قتل علي في الحيرة (جنوب الكوفة) وبايع العرب معاوية هناك سنة 658م. معاوية كان أقرب للمسيحية وحليفا للبيزنطيين قبل أن ينقلب عليهم. قام بسك عملته التي كانت تحمل بعضها إشارات مسيحية، وفرض الجزية على اليعقوبيين. الأحداث المذكورة في هذه الوثيقة وجد العلماء مطابقة تاريخية لها من خلال الحفريات والآثار، كالزلزال الذي حدث بفلسطين سنة 660م والعملة التي سكها معاوية التي لا علاقة لها بالإسلام. وفي وثيقة أخرى لأسقف يدعى arculf الذي زار الأراضي المقدسة سنة 670م وأملى مذكراته على مرافقه وسميت ب de locis sanctis جاء فيها أن معاوية سمي بأمير السراسنة، وكان مسيحيا، ولم ترد أي إشارة لدين اسمه الإسلام! وثيقة أخرى مهمة تسمى ب doctrina jacobi وتؤرخ للفترة من 634 إلى 640م، جاء فيها خبر نبي ظهر عند الشرقيين السراسنة العرب يبشر بقدوم المسيح المنتظر ويسفك الدماء ويقوم بأعمال فوضى مدعيا امتلاك مفاتيح الجنة. -يتبع- مراجع: الهاجريون، باتريشيا كرون - مايكل كوك. رؤية الإسلام كما رآه الآخرون، روبرت هويلاند.
****************
النبي محمد من مصادر غير إسلامية:الحلقة 2 مصادر خارجية التي أوردها هويلاند في كتابه: هناك نص آخر صريح ذكر محمد، وهو للقس توماس سنة 640م، يقول فيه أن عرب "طايايي محمد" هزموا البيزنطيين في فلسطين وقتلوا 4000 قروي من اليهود والمسيحيين ودمروا المنطقة بالكامل. في رسالة أخرى للبطريارك يشوعيهب (649-659م) يقول فيها أن الطيئيين المهاجرين mhaggraye هم أعداء المسيح، بينما كان هناك عرب آخرون حلفاء للمسيحيين. في وثيقة نسطورية لمؤرخ خوزستان (665م) ورد فيها لفظة الاسماعليين. وكان عددهم كثيرا جدا يقودهم محمد، تمكنوا من السيطرة على أرض الفرس، ثم اجتاحوا الأراضي البيزنطية ونهبوا سوريا حتى أرسل هرقل جيوشا ضدهم لكنهم هزموها. في وثيقة مهمة للأسقف الأرميني سبيوس (660م) ذكر فيها أن بعض اليهود استنجدوا بالاسماعليين ضد البيزنطيين سنة 628م، وكان قائدهم اسمه محمد تاجرا وواعظا، طلب منه اليهود أن يدخل بيت المقدس لاسترجاعه. يقول سبيوس: بينما كان محمد يسافر من يثرب إلى فلسطين تاجرا، رأى أثناء تعامله مع اليهود أنهم يعبدون إلها واحدا. فأعجبه ذلك لأنه رأى أن قومه يعبدون الأصنام، فتبنى ذلك المعتقد بعد عودته واستطاع إقناع قلة منهم فأصبحوا أتباعه. فكان محمد يثني على الأرض المقدسة ويقول أنه سيرثها الموحدون، ودعا قومه إلى هجر عبادة الآلهة الباطلة والاعتراف بإله واحد. و لتأكيد كلامه، توجه غازيا إلى أرض فلسطين رفقة أتباعه المطيعين ونهب وسلب واستعبد ما استطاع وعاد محملا بالغنائم. وذكر سبيوس قوانين ديانة محمد دون أن يشير أنها نصوص مدونة منها تحريم أكل الجيفة، و شرب الخمر و الكذب والزنى. المؤرخ السرياني جورج من ريشينا (654-651م): أشار في إحدى نصوصه إلى الحرب الأهلية العربية والتي دارت بين معاوية مع أبو تراب أمير الحيرة (علي). يبدو أن معاوية كان حاكما مستقلا عن دولة الإسلام وكان مسيحيا على عقيدة الكنيسة الشرقية، وانتهى الصراع بانتصار معاوية في معركة صفين. وهو ما يؤكد أن صراع معاوية مع علي بدأ مبكرا وليس كما جاء في الروايات الاسلامية التقليدية. الحوليات المارونية تقول أن علي قتل في المسجد بالحيرة سنة 658م، أما المسلمون فيقولون أنه اغتيل سنة661م بالكوفة. ما نستشفه من خلال النصوص السابقة هو تعارض صارخ مع المرويات الإسلامية، فالمسلمون يقولون بأن محمد توفي سنة 632م، بينما المصادر الخارجية المختلفة والمعاصرة للأحداث تقول أنه عاش بعد ذلك بسنين! علما أن أول ذكر للإسلام تاريخيا كدين لم يأت إلا في زمن عبد الملك بن مروان من خلال العملات التي سكها! تناقضات تاريخية قد لاحظها بعض المسلمين مثل الحافظ ابن حجر، حيث قال في شرحه لحديث " إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده" : قد استشكل هذا مع بقاء مملكة الفرس لأن آخرهم قتل في زمان عثمان، واستشكل أيضا مع بقاء مملكة الروم!! -يتبع- مرجع: رؤية الإسلام كما رأوه الآخرون، روبرت هويلاند.