Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس12

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس1
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس2
علم ألاثار يؤيد الكتاب المقدس3
علم الاثار يؤيد الكتاب المقدس4
علم ألاثار يؤيد الكتاب المقدس5
علم ألاثار يؤيد الكتاب المقدس6
علم ألاثار يؤيد الكتاب المقدس7
علم ألاثار يؤيد الكتاب المقدس8
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس9
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس10
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس11
علم الآثار يؤيد الكتاب المقدس12

 

صَخرة الزلقات | صخرة الافتراق | صخرة الهرب
"البرية" هي موضوع شائع فى الكتاب المقدس. داود ورجاله قضوا سنوات هناك. ذهب يسوع إلى البرية لمدة 40 يومًا ليجربه. تجولت إسرائيل في البرية لمدة 40 عامًا. قضى إيليا معظم وقته في البرية. عاش يوحنا المعمدان وعظ في البرية .
كان داود ورجاله في برية معون.  وهو حصن طبيعي في برية معون إلى الشرق الجنوبي من حبرون وسمي كذلك لأن داود لما كان على جهة من المرتفع نجا من شاول الذي كان على الجهة الأخرى (1 صم 23: 28). وقال كوندر أن هذه الصخرة في وادي الملاقي إلى شرقي معون. وهو حيث ذهب شاول ورجاله، و"تبع داود إلى برية معون، فذهب شاول عن جانب الجبل من هنا، وداود ورجاله عن جانب الجبل من هناك، وكان داود يفر في الذهاب من أمام شاول". فلما سمع شاول بان"الفلسطينين قد اقتحموا الأرض، رجع شاول عن اتباع داود، وذهب للقاء الفلسطينيين. لذلك دعي ذلك الموضع صخرة الزلقات" (1 صم 23: 25- 28). ويبدو أن الاسم مازال يتردد صداه في "وادى الملاقي"، وهو الغور الكبير الذي يفصل جبل الكرمل عن برية معون شرقًا وله جروف رأسية.
أعتقد أن لدينا جميعًا أوقات "برية" في حياتنا. الامور من نوع ما. يبدو أننا بعيدون عن كل شيء والجميع. من السهل التشكيك في هذه الأوقات واعتقد أن شيئًا ما يجب أن يكون خطأ. ومع ذلك ، حتى في البرية ، الله معنا. لا يمكننا الهروب من حضوره ، وقد تكون البرية هي المكان الذي يفترض أن نكون فيه ، لأنه في البرية يتم تجريد الاعتماد على الذات ونتعلم أن نثق بالله تمامًا.
مدينة بيت شان (بيسان)
اسم عبري معناه "بيت السكون" اسم مدينة على بعد خمسة أميال إلى الجهة الغربية من نهر الأردن. ودعيت باسم سكيثوبولس. ومكانها الآن تل الحصن بالقرب من بيسان، وفيها من بقايا الآثار ما يدل على عظمتها الأصلية، كبقايا هياكل وأروقة ومسارح وميادين لسباق الخيل. وقد اكتشف فيها من آثار المصرين القدماء نصب لسيتي الأول وآخر لرعمسيس الثاني. دخلت الديانة المسيحية إلى هذه المدينة في وقت مبكر، حيث كشفت الحفريات عن الكثير من الكنائس القديمة .ومما يستحق الذكر أن الفلسطينيين سمّروا جسد شاول الملك على سور هذه المدينة فاسترجعه سكان يابيش جلعاد ليلًا (1صم 31: 10). في مدينة بيسان / بيت شان مات الملك شاول؛ والذي كان أحد ملوك إسرائيل في العهد القديم، لكن الله لم يكن راضيًا عن ملكه، فسمح بموته وموت أبنائه بيوم واحد وبطريقة بشعة  ويروي لنا صموئيل الأول (31) قصة موت شاول، حيث كان في حرب مع أعدائه، وقد هُزم جيش شاول وقتل أبناؤه الثلاثة في هذه الحرب، وانجرح شاول جرحًا مؤلمًا كاد يقتله طلب شاول من حامل سلاحه أن يقتله بسيفه، لكن حامل السلاح خاف من تنفيذ الأمر؛ فكيف يقتل الملك؟ فأخذ شاول السيف وسقط عليه فمات. وحامل السلاح بدوره قام بقتل نفسه أيضًا. كان شاول شخصًا جميل المظهر، كان واعيًا وفهيمًا، لكنه لم يطع الله في ما أمره به، فسكنه روح شرير لازمه طوال حياته وفي النهاية قتل نفسه شاول بسبب عدم طاعته عاش معذبًا بروح شرير. قد تكون شخصًا معذبًا، قد تملك كل شيء لكنك تشعر بالعذاب وعدم الراحة، قد تتساءل: لماذا لا أشعر بسعادة؛ مع أني أملك كل ما يتمناه أي إنسان؟
تقع مدينة بيسان على بعد 35 كم جنوب غرب بحيرة طبريا، وفي الطرف الشرقي من سهل مرج بن عامر. تعرف أيضًا بتل الحصن بسبب وجود التل الأثري الكائن هناك، حيث تعاقبت عليه المدن المندثرة ووصل عددها إلى 20 مدينة، كانت هذه المدن تتحكم بالطرق التجارية التي تمر بها. يعتقد البعض أن اسمها يعني (دار الاستراحة)، وقد جادل العلماء كثيرًا في أصل الاسم. والاعتقاد السائد هو أن المدينة قد سمّيت (نيسا) في إحدى الحقب نسبة إلى آلهة رومانية، وقد غيّر العرب حرف النون في البداية إلى باء ووضعوا حرف النون في النهاية ليصبح اسمها (بيسان)؛ كونها أسهل لفظًا من (بيسا) على العرب.
ومن الآثار التي نشاهدها اليوم: المدرج الروماني، والشارع المعمّد (الكاردو) وهو الكاردو الوحيد الذي لا يسير بخط مستقيم فهو ينعطف يمينًا في إحدى المناطق بسبب تل الحصن القديم الذي أشرنا إليه سابقًا، ونرى أيضًا (الأنفيتياتر) الذي تبيّن أنه كان يستخدم لمصارعة الأسود والعبيد وأرضه غير مبلّطة لتمتص الدماء النازفة من المصارعين، ونرى الغرف المزينة بالفسيفساء، وبركة مياه عذارى النهر، وهيكل وثني أعيد بناؤه بحجارته الأصلية والتي وجدت في المكان عند سقوطها إثر زلزال سنة 748م.
وكشفت الآثار في السنوات الأخيرة عن عدد من الغرف تحيط بالحمامات مرصوفة بالفسيفساء وتعود إلى العهد الروماني. جدّد البيزنطيون هذه الفسيفساء لتظهر فيها الآلهة "نيسا" بشكل جميل وهي تحمل الصولجان بيدها وتاجٌ يكلل رأسها.
دل الحفريات على أن المدينة تعود إلى العصر البرونزي الأول (3000 ق.م). كانت مدينة مصرية ثم كنعانية ثم جزءًا من ميراث سبط منسى ثم مدينة فلسطينية ثم هُجرت ومن ثم أصبحت مركزًا للخيالة الشيتيين.
العبرانيين وقدماء المصريين
العبرانيين (اليهود) هم أحد فروع الدوحة السامية وينسب اسمهم إلى عابر أحد أجداد إبراهيم الذي أتى بهم إلى أرض الميعاد وقد منحهم اللقب الكنعانيون إذ سموا إبراهيم ابرام العبراني (تك 10: 24 و11: 14 و14: 13) بعد أن عبر نهر الفرات إلى أرض الميعاد أقدم إشارة للعبرانيين في النصوص المصرية القديمة تعود لعهد الملك تحتمس الثالث  وهى المرة الاولى : حيث ذكرت كلمة (عبرو) في بردية تدعى (بردية هاريس)  حيث ذكر فيها  كيف تمكن الملك العظيم تحتمس الثالث من فتح مدينة يافا الساحلية
وقد ذكر ان  قوم يدعون (عبرو) قد حاربوا الى جانب اميرها وساندوه ضد جيش مصر.. ومن خلال هذه المعلومة يمكننا أن نفهم أن العبرانيين عاشوا منذ النصف الأول من القرن الـ15 ق.م في جنوب فلسطين.
أما المرة الثانية فقد ورد ذكر كلمة (عبرو)مرة أخرى ....في عهد الملك أمنحتب الثاني ابن الملك تحتمس الثالث حيث دون انتصاراته التي حققها في سوريا  والغنائم التي حصل عليها وأعداد الأسرى الذين سقطوا في يده  ومن بينهم عدد 3600 من العبرو، وقد أتى بهم إلى مصر  حيث تبين لنا من ذلك أن أمنحتب الثاني هو  أول من جلب العبرانيين إلى مصر  وطبقا لذلك يتبين لنا  أن العبرانين تواجدوا في مصر منذ أواخر القرن 15 ق.م.
أما الإشارة الثالثة للعبرانين في النصوص المصرية .... فقد وردت في نص يعود لعهد الملك رعمسيس الثاني (1279ق.م - 1213ق.م) في بردية ليدن الأولى رقم 349 السطر السابع  حيث أن الملك رعمسيس الثاني يعتقد انه استخدم هؤلاء العبرانيين  في جر الأحجار لبناء صروح معابدهكما  ورد في التوراة حيث اشتهر رعمسيس الثاني بأنه فرعون التسخير.
الإشارة الرابعة وردت ..... في لوح ينسب الى الملك مرينبتاح ابن الملك رعمسيس الثاني  حيث عدد انتصاراته عليها والمشهورة بلوحة إسرائيل  وهى أول مره يتحول كلمة (عبروا) إلى (إسرائيل)  حيث يقول النص "واستردت عسقلان واستولى على جزر(غزه)  وأصبحت ينعم كأن لم تكن  ودمرت يسرائير (إسرائيل) ولم تصبح لهم ذرية  وأصبحت خارو (فلسطين) أرملة لمصر  وأصبحت البلاد كلها في سلام"  وقد أضاف بجوار الاسم مخصص رجل وامرأة  ولم يضع مخصص المدينة مما يعني أن هذا الشعب عبارة عن قبيلة رحاله  ولم تكن دولة لها حدود،  كما يلاحظ انها المره الوحيدة  التي ذكر فيها اسم اسرائيل في النصوص المصرية القديمة.
كما وردت الإشارة إلى العبرو مره أخرى في نصوص رعمسيس الثالث (1188ق.م-1157ق.م)  في بردية هاريس حيث تشير للأسرى الذين أهداهم الملك إلى معبد رع وكان من بينهم العبرو.
الإشارة السادسة للعبرانيين في النصوص المصرية القديمة  تعود لعصر الملك رعمسيس الرابع (1157ق.م-1151ق.م)  وهى موجودة في صخور وادي الحمامات  حيث ذكر الملك انه جاء بعدد 800 أسير من عبرو ضمن بعثته  التي أرسلها لمحاجر الشست بوادي الحمامات.
وفي عصر الأسرة 26 لجأ اليهود إلى مصر للفرار من حصار نبوخذنصر لمدينة اورشاليم سنه 587ق.م  وقد ذكر ذلك في التوراة وفي النصوص المصرية
حيث أحسن إليهم الملك المصري خع ايب رع  والمعروف في التوراة باسم (أبريس)  وأسكنهم مدينه تدعى (تحف نحيس) أو تل دفنه حاليا 15 كم من القنطرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 

 

 

 

 

يسوع يظهر لشاول

دير القديس مار بولس يقع في تلة "كوكب" جنوب مدينة دمشق, والتي تبعد عنها مسافة  18/كم، وذلك على الطريق العام الواصل بين "دمشق" و"القدس" قديماً.  بني في المكان الذي ظهر فيه السيد المسيح للقديس بولس الرسول. في كوكب حصلت معجزة رؤيا المضطهد شاول وفي دمشق وفي بيت يهوذا في الشارع المستقيم قبل ألفي سنة تقريباً وعلى يد حنانيا أول أساقفتها تم عماده فتحول من عدو لدود للمسيحية إلى مبشر ومشرع أول لها.

لأرشمندريت "متى رزق" رئيس دير "مار بولس" الذي تحدث عنه بقوله: «في هذا المكان بات كل شيء مختلفاً بالنسبة "لبولس"، حيث كان ميلاد جديد له وانبثاق لأعظم رسول، ابتدأت معه مسيرة جديدة في الدعوة للمسيحية، فبولس الرسول هو من الشخصيات التي اضطهدت المسيحية في البداية، ليتحول بعدها إلى التبشير والدفاع عنها، ونتيجة لأهمية القديس "بولس" فقد أقيمت له كنائس وأديرة في كل مكان قام بزيارته».

أما عن علاقة القديس بمدينة "دمشق" فأوضح "رزق": «كان القديس "بولس" يهودياً، متعصباً لديانته ويعيش في أورشليم / القدس وقد حاول اضطهاد المسيحية من القدس إلى دمشق، وحينما كان قادماً إلى دمشق ليلقي القبض على كل من تنصر فيها ويسوقهم إلى القدس موثقين، وعلى مشارف مدينة دمشق وتحديدا في تلة "كوكب" ظهر له نور السيد المسيح، وقال له: "شاول شاول لماذا تضطهدني؟"، ليفقد بعدها القديس "بولس" بصره وأصبح لا يبصر أحداً، فاقتادوه بيده، وأدخلوه إلى دمشق وآمن بالمسيح وأخذ

مر دير القديس "بولس" بعدة مراحل تاريخية، أخذ خلالها يتطور عمرانياً قبل أن يصل إلى شكله الحالي، وحول هذا الموضوع يقول "رزق": «إن دير القديس "بولس" قد مر بمرحلتين زمنيتين، الأولى في العصر القديم، وهي عبارة عن مقام قديم "لبولس" الرسول، يعود للقرن الرابع الميلادي، ولم يتبق اليوم من هذا المقام سوى بعض الرسوم، الحجارة المنحوته، تيجان أعمدة كورنثية، وخرزة بئر لجمع المياه مع قساطل فخارية.

المرحلة الثانية كانت في العصر الحديث، وهذه المرحلة تقسم بدورها إلى فترتين، الأولى كانت في عام /1960/م عندما قدمت بعثة روسية إلى دمشق وأخذت في البحث عن المكان الذي ظهر فيه السيد المسيح للقديس "بولس"، فتوصلت إلى نتيجة مفادها أن هذا المكان هو تلة كوكب، ولذلك أشادوا فيها مقاماً للقديس "بولس" على أنقاض المقام القديم.

أما فيما يتعلق بالدلائل التي ساعدت البعثة الروسية على التأكد من أن تلة كوكب هي المكان الذي حدثت في واقعة رؤية "بولس" للسيد المسيح، فهناك ثلاثة أدلة، أولها تتمثل في كتب القرون الوسطى التي تحدثت عن التلة على أنها المكان الأصح لوقوع حادثة الرؤية، ومن هذه الكتب، (تاريخ القدس) لجاك فيتري، (رحلة إلى بلاد المشرق) لـتيفينيو، (وصف للشرق) لـبوكوك، (رحلة من حلب الى دمشق) لـكرين، (خمس سنوات في دمشق) لـبورتر، (وصف فلسطين والجليل) لكيران، بينما يذكر الأب "بارنابه مايسترمان" في دليله عن "الأرض المقدسة" أن قرية كوكب تحتوي على بقايا كنيسة في جوار التلة المدعوة "ماربولس".

وثاني هذه الدلائل هي الآثار الدينية المسيحية التي عثرت عليها البعثة الروسية مدفونة في تلة كوكب، أما النقطة الثالثة فهي التقليد الشفهي، ويقصد به توارث أهالي منطقة كوكب من مسلمين ومسيحيين لتسمية تلة "كوكب" بتلة "مار بولس"،
تكبير الصورة
الدير من الخارج
وهو ما دل على أن هذه التلة كان لها حرمة دينية خاصة عند سكان المنطقة.

ومن جانب آخر فإن أحد الكتاب أكد أن كلمة كوكب تعني النور، والنور عند الإنسان يأتي عن طريق الكواكب، ولذلك فإن كلمة كوكب تعني الوصول إلى النور، وهو ما يؤكد أن تلة كوكب هي المكان الذي وقعت في حادثة رؤية "بولس" لنور السيد المسيح.

الفترة الزمنية الثانية التي شهدها الدير، كانت عام /1995/م ، حيث بدئ العمل على إعادة تأهيل الدير ليصل إلى ما هو عليه اليوم».

وفيما يتعلق بالناحية العمرانية لدير "مار بولس"، فيقول "رزق": «بني الدير في عام /1961/م على شكل كنيسة دائرية الشكل يرافقها /12/ قنطرة في حركة تصاعدية من الأصغر للأكبر، وترمز هذه الـ/12/ قنطرة إلى الـ/12/ رسولاً، وذلك بحركة تصاعدية نحو السماء، وفي عام /2004/ قام مهندس روسي بتصميم قبة الكنيسة والجرسية بعد أن استوحى تصاميمه من روعة المنطقة الموجود فيها الدير ما زاد من جمال المكان».

ومن جانب آخر يقول "رزق": «شهد دير القديس "ماربولس" العديد من الأحداث الهامة عبر تاريخه، ومنها قيام روسيا ممثلة في البطريك "إليكس الثاني" بإهداء الدير نصباً تذكارياً من البرونز للقديس "بولس"، ويبلغ وزن النصب ما يقارب الـ/2.5/ طن، فالروس يعتبرون "بولس" من الشخصيات الهامة التي ينبغي تقديرها واحترامها، ولذلك فنسبة كبيرة من زوار الدير هم من روسيا.

في عام /2008/ انطلقت عالمياً سنة القديس "مار بولس"، حيث تم اختيار الدير ليكون موقع افتتاح وختام هذه السنة، وشهد حفل الافتتاح حضور ما يقارب الـ/12/ ألف شخص من المسلمين والمسيحيين.

وفي ختام سنة "ماربولس" حضر السفير البابوي إلى الدير وألقى فيه كلمة أكد فيها أن هذا الموقع هو المكان الذي ظهر فيه السيد المسيح "لماربولس"، وهو
تكبير الصورة
صورة فضائبة للدير
ما يعتبر بمثابة شهادة أقرتها البابوية لأهمية هذا المكان وقداسته».

تقدر مساحة دير "القديس ماربولس" بـ/300/ دونم، أما المستثمر منها فلا يتجاوز الـ/30/ دونماً، وهي مزروعة بأشجار الكرمة والزيتون والتين، وبالإضافة إلى الكنيسة، يوجد في دير القديس "بولس" مجموعة من الأبنية لإدارة وخدمة الموقع، ساحات واسعة، حدائق جميلة، بالإضافة إلى مسرح جميل مفتوح للجميع تقام فيه المناسبات الدينية، وكل ذلك مسيج بسور تتوسطه بوابات أنيقة.

ويقام في دير القديس "بولس" العديد من الأنشطة الدينية والاجتماعية، منها الصلوات والاحتفالات في المناسبات الدينية المختلفة، وإقامة اجتماعات ولقاءات حوارية داخل الدير على مستوى المنطقة التي يوجد فيها الدير وعلى مستوى سورية كلها.

 




تذكر انك رافقت بولس الهارب في زنبيل من دمشق بمساعدة البواب جاورجيوس ( لأن الحراسة شديدة على أبواب دمشق لئلا يهرب من أيدي اليهود ) وذهبت معه إلى بلاد حوران ليبشر فيها وشاهدت تلك الأوابد / وقد كانت معالم حضارية / قدمت لرومة القمح فصّح فيها القول ” حوران مخزن غلال رومة “. كما قدمت لرومة المسيحية وبيزنطة زيت الزيتون الذي أنار كاتدرائياتها وكنائسها. تذكر بصرى وكاتدرائيتها الفخمة والتي سبقت كاتدرائية آجيا صوفيا في القسطنطينية التي بنيت على مثالها.

وتذكّر أن بولس الرسول عاد إلى دمشق، وكنت برفقته. وانطلقتما معاً إلى سورية الداخلية ثم الساحلية إلى العاصمة إنطاكية، وقد انضم إليكم بطرس الرسول وبرنابا وماتاهين وبدأتم بتبشير الجالية اليهودية المهمة فيها. وكان لها الشرف الأول بأنها المدينة الأولى بعد القدس التي أقيم فيها أول كرسي أسقفي بهمة العظيمين بطرس وبولس، وبأن بطرس كان أول أساقفته منذ ( 45 –53م ). وقبل عشر سنوات من إحداثه لكرسي رومية سنة 63م وصيرورته أول أسقف عليها واستشهاده هناك 66م وتذكر أن في ” إنطاكية ُدعي المسيحيون أولاً ” وهذا الشرف الثاني. أما الثالث فكان أنها عاصمة التبشير إلى القفقاس وآسية والهند وإلى آسية الصغرى ثم أوربة. لذا دعيت بالعاصمة التبشيرية المسيحية في كل العالم .

تجول في جبال القلمون وجبال لبنان وقمم بلودان وجبل الشيخ، وفي صيدنايا ومعلولا، ودير عطية وفي يبرود والنبك، وحمص ووادي العاصي، ثم وادي العمق وسهول حلب وادلب في جبل سمعان وباريشا وقلب لوزة، وفي دورا اوربس في منطقة الفرات (وفي ماردين وفي الجزيرة السورية العليا وفي كيليكيا وهذه كلها في سورية). تجول في هذه المناطق، وعش مع آلاف الرهبان في القرن الرابع الذين استبدلوا الاستشهاد حباً بالمسيح بعد توقف الاضطهادات باستشهاد رهباني، وهو أيضاً تشبهاً بالمسيح وحباً به، إنما بشكل آخر يعتمد على قهر الجسد، ولا تزال إلى الآن بعض هذه القلالي والأديار شاهد حي على هذا النمط المعيشي، ومنها أديار عامرة كصيدنايا ومعلولا (والشيروبيم بعد أن أعيد بناؤه قبل عقدين) وقد بني بهمة رئيسة دير صيدنايا المرحومة الحاجة أبي حيدر وببركة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع ولايزال التحديث فيه مستمراً بهمة رئاسة ورهبنة دير القديس جاورجيوس البطريركي في بلدة صيدنايا الذي يضم آثار حوافر فرس القديس جاورجيوس في مزاره بناووس الدير، ودير مار الياس الحي في معرة صيدنايا ، ودير رؤية القديس بولس في كوكب ودير مار توما في صيدنايا ودير القديس جاورجيوس أزرع.

ولست في معرض تعداد ما عندنا من مواطن سياحية وأثرية مسيحية لأن مقالنا مخصص للبحث في إحداها، إذ يحتاج ذلك إلى مجلدات، ولكن يبقى صحيحاً ما قيل عن سورية أنها متحف مصغر للإنسانية، وتحت كل حجر من أحجارها وعلى كل قمة من قممها، وبجانب كل منهل مائي فيها أثر وعلم وذكرى، لا يقاربه أي مثيل له في أية بقعة من بقاع الأرض لأنها بالقول المختصر (أرض الحضارات والأديان).



دير رؤية القديس بولس الرسول في سهل كوكب


بني هذا الدير في عام 1962 في منطقة تدعى تل كوكب على بعد 18 كم من دمشق على الطريق المتجهة إلى القنيطرة على أنقاض دير يعود إلى القرون المسيحية الأولى.


وفي الحقيقة فإن وصف ( تل ) يمكن أن يكون أكثر دقة من ( سهل ) لأنه في واقع الأمر هو عبارة عن تل بركاني تناثرت فيه حجارة بازلتية سوداء و تحيط به تلال عديدة مماثلة كانت معاقل رهبانية منذ تاريخ رؤية القديس بولس فيه أي قبل 1965 سنة تقريباً .


وقد لا يلفت هذا الموقع انتباه المسافر بأنه المكان الذي تحوَّل فيه شاول المضطهد إلى أبرز شخصية في العهد الجديد بعد الرب يسوع .فقد أصبح المجاهد الأكبر الذي لم يفتر خلال نيف و عشرين عاماً عن التجوال في العالم الروماني مبشّراً بالعقيدة الجديدة بين اليهود والوثنين متحملاً أذى هؤلاء وأولئك، وقد سُجن مراراً وسنين طويلة واستهدف لضرب السياط وللرجم بالحجارة، وتعرض للموت وغرقت فيه السفن ثلاث مرات، وعانى شدائد الأسفار وأهوال السهر والجوع والعطش وعنت الطبيعة حتى قضى شهيداً .
كانت عظاته مثالاً رائعاً لفن الخطابة و في كل الموضوعات التي تهم هذا الدين الجديد، لا بل كانت مصدراً رئيساً للتشريع بشقيه الروحي و الاجتماعي، وكان لها الأثر الأبعد في نشر المسيحية و في تشديد عزائم التلاميذ .
عندما يعود بولس إلى الماضي من حياته، يراها بقسميها واضحة أمام عينيه .حياته “بدون المسيح” وحياته “مع المسيح” و معه الآن من المنحنى الكبير الذي يقسم هذه الحياة إلى قسمين :إلى ثلاثة شلالات تنبع من حياتها الواحد تلو الآخر : مقتل استفانوس أول الشهداء ، الاضطهاد في اليهودية و سفرته إلى دمشق.

وتتدحرج هذه الحياة العاصفة بسرعة نحو ذات الارتداد العظيم الذي يحمل النهر و يقوده إلى مصب جديد ليوزع قواه الهائلة لا ليدمر بل ليزداد ويتضاعف ويثمر و يحمل الخيرات إلى الإنسانية

لكنه لم يكن كذلك قبل المعجزة التي حصلت معه في كوكب، فقد عُرف في أورشليم مضطهداً للكنيسة. فكيف وصل إلى هذا الارتداد؟ و أية مراحل اجتازها في داخله ؟ سيبقى ذلك من الأسرار . لقد التصق بولس بطابع ارتداده الفائق الطبيعة التصاقاً لا تنفك عراه، وصار المسيح السماوي بملء قوته في توافق مع حياته .
بدأ هذا الارتداد بعد ثلاث سنين من صعود الرب إلى السماء، حين تكاثر المسيحيون في دمشق إلى درجة أقلقت السنهدريم (مجمع اليهود في أورشليم )وذلك بعد خلو أورشليم من المسيحيين الذين منهم مَنَ ذهب إلى (يوبي) حيث كان بطرس يعلم، و منهم إلى السامرة حيث كان فيليبس و آخرون تاهوا وتشردوا، ومنهم من وصل إلى دمشق قلب سورية الشرقية ، فساهموا بزيادة عدد المسيحيين فيها. وانصب سيل اللاجئين المسيحيين هؤلاء إليها وكانت بالمقابل فيها أكبر الجوالي اليهودية، وكان لليهود من أيام الملك آخاب الحق بفتح المحلات التجارية على جانبي الطريق الطويلة. هناك خوف كبير على الألوف من اليهود المؤمنين من هؤلاء اللاجئين المسيحيين ، يجب أن تتطهر دمشق من هذه الخلية ، ولم يكن أحسن من شاول لتنفيذ مهمة القضاء عليها ، فصفاته وأفعاله توحي للسنهدريم بالارتياح ، فهو فريسي متعصب ويحمل الجنسية الرومانية ، وأهم من كل شيء أنه كان يرغب بمتابعة اضطهاد المسيحيين في دمشق بعد قيامه بذلك في أورشليم، وقام المجمع بتفويضه بشكل كامل بذلك و زوَّده بكتب إلى رؤساء اليهود في دمشق و إلى الحاكم فيها الذي ” كان تحت إمرة الملك الحارث يحرس مدينة الدمشقيين ".

و هكذا ينطلق بولس ماراً بباب دمشق في أورشليم القريب من ضريح استفانوس الشهيد على رأس فرقة مسلحة وكان يمتطي جواده . السفرة تستغرق مدة أسبوع والمسافة مئتان و خمسون كيلو متراً . و كانت هناك ثلاثة دروب كلها تقود إلى دمشق و لا شك فيه انه اختار طريق سهل كوكب فهو الأسهل والأقرب و اختار الطريق المختصرة . و بعد ستة أيام وصل الموكب إلى عتبة تل كوكب البركانية عند مشارف دمشق.

كان شاول كالصياد الذي سيطر عليه هوس لا يُكبح لجامه، ومع ذلك لم يكن الصياد الوحيد في رحلته .كان هناك صياد آخر / أمهر منه / صياد التلاميذ كان يتبعه خطوة خطوة ، وأنى لبولس أن يعرف وهو يطارد المسيحيين الذين هربوا منه في كل طريقه من باب دمشق إلى جنين إلى سهل عسقلان إلى الناحية الخلفية لجبل حرمون المكلل بالثلوج أعتاب جبل الشيخ المقارب لدمشق ، أنى له أن يعرف انه مطارد من ” الصياد الإلهي ” الذي ناداه :”شاول شاول لماذا تضطهدني ؟” حسب أعمال الرسل وقد ترافق القول مع برق مبهر سطع من السماء أسقطه من على ظهر جواده إلى الأرض .

فحصل هذا الارتداد العنيف والانقلاب الكامل فيه فتحول العدو الألد للمسيحية مناضلاً و واعظاً و ملتهباً في سبيلها حتى لقب بألقاب لا حصر لها : (رسول الأمم ، رسول الجهاد الأمين ، المجاهد الأكبر ، هامة الرسل ، المشرع الأول …) و ما ذلك إلا لكثرة مواهبه فهو كان ممتلئاً بالفلسفة اليونانية ، و عالماً متبحراً بالتوراة و الأسفار و العهد القديم ، لذلك جمع المعرفة الكاملة في تبشيره و تبدى ذلك جلياً في رسائله ، حتى عدَّه البعض أنه شوشّ بساطة المسيحية بأن فلسفها.

و لقد لفتت هذه الواقعة الأنظار إلى أهمية موقعها فبادر المؤمنون وقتئذٍ إلى بناء دير رهباني عُرف باسم “دير رؤية القديس بولس ” فقطنه الرهبان مع الكهوف و المغاور المنتشرة في التلال المحيطة .
و لكن مع الأسف ولظروف طبيعية و بشرية تعرض هذا الدير كغيره إلى العبث به أولاً ثم إلى الزوال ، ولم يبق منه حتى أوائل الستينات وقت إعادة بنائه سوى رسوم مندرسة عن بعض الأحجار الصقيلة و رأس عمود كورنثي ، وخرزتا بئرين لجمع مياه المطر في أعلى التل ، والآخر عند السفح المقابل . و هناك خنادق و أسس مكشوفة لبناء لا شك في ضخامته ، و بعض تلك الجدران لا يزال كلسها عالقاً ، وفيها مقاعد صخرية ، و هناك بقايا كنيسة تقع بين التلة البركانية و بين الطريق الرومانية المتجهة إلى الجنوب و هي عبارة عن أحجار نحيتة مختلفة الأحجام لعل أضخمها كان رتاجاً لباب .و قد تجد هناك كسرات آجر كان مستعملاً في البناء .

الوضع مماثل تماماً لدير الشاروبيم في أعلى قمم صيدنايا، و لكن الفارق يكمن أن أحجار الشاروبيم بقي كمها الأكبر في سفح الموقع، و إن كان كمها الأصغر إ ستجره سكان قرى رنكوس و عسال الورد لبناء مساكنهم. وبالمقابل فإن أهالي القرى المحيطة “بدير رؤية بولس ” في كوكب فعلوا الشيء عينه، وأن كانوا قد استجروا كل الأحجار في بناء مساكنهم.( على قول أهالي صحنايا و عرطوز و جديدة عرطوز بالتواتر عن أجدادهم). و هذا ما حصل أيضاً في الآثار المسيحية في ادلب و جسر الشغور و حوران و السويداء … و هكذا لم يبق من أحجار هذا الدير العظيم إلا النذر اليسير الذي كان ديراً عامراً و يضج بالحياة تقريباً إلى القرنين التاسع و العاشر للمسيح أي بعد الفتح الإسلامي لدمشق بقرنين أو ثلاثـة.

و في الستينات عثرت مجموعة من الفلاحين في أنقاض هذا الدير على مبخرة ذهبية كما قال الأستاذ د.يوسف سمارة مدير الآثار في دمشق وتعود إلى العصور المسيحية الأولى، ويتابع الدكتور سمارة بأن وجود هذا الدير كانت قد أثبتته شهادات من القرون الوسطى زمن الفرنج و حروبهم في بلاد الشام مثل كتاب :
“تاريخ القدس” لمؤلفه جاك فيتري ، وكتاب “مذكرات الشيفالية دارفيو ” الذي استَشْهَد به جالابر ،و كتاب “رحلة إلى بلاد المشرق” لتيفينوص 434 الجزء الثاني ، وكتاب “وصف الشرق” لبوكوك ص 119-128 ، و كتاب “رحلة من حلب إلى دمشق” لكرين ص 65-66 وكتاب “خمس سنوات بدمشق” لبورتر ص 43 و كتاب”وصف فلسطين و الجليل” لكيران ص 305-306 في الجزء الثاني .
وجالابر الذي يذكر إن أكثر الإدلاء يؤكون أن كوكب هي مكان الرؤيا البولسية و المؤرخ بجاندر الذي استشهد بكتاب “في بلاد التوراة ” لمؤلف مجهول .


و يذكر الأب بارنابة مايسترمان في دليله عن الأرض المقدسة 1907 “إن قرية كوكب الصغيرة تحتوي على بقايا كنيسة في جوار التلة المدعوة مار بولس .

أما ليكليرك فيقول في مقاله “بولس”:”إن خير ما يروى في هذا الصدد ما جاء في كتاب “كانت التوراة على حق” لمؤلفه هيوشونفيلد” والكتاب ذو شهرة عالمية تحرى فيه كاتبه تتبع الحقائق التاريخية ومقارنتها واستخلاص النتائج بحيث لا يدع مجالاً للشك فيما يقدمه.

و قد تحدث عن شاول انه شاب متين البنية قادر على المشي مسافات طويلة ولكنه احتاج إلى أسبوع كامل على الأقل في رحلته حتى وصل إلى مشارف دمشق بسبب فقدانه البصر .

“في ناحية كوكب ، على بعد عشرة أميال من المدينة مرَّ شاول بتجربة الرؤيا التي كان من شأنها وأثرها ما نعرف من قراءة سفر أعمال الرسل”.

و يورد شونفييلد “إنه جاء في مخطوطات البحر الميت التي عُثر عليها هناك عام 1946 كيف هاجر مؤسسو الطائفة التي كتبت تلك المخطوطات إلى أرض دمشق حيث أقروا (العهد الجديد) و كان يتزعمهم حقوقي يدعونه (كوكب) أو(النجم) و هم جميعاً اتباع معلم البَّر الأكبر”.

و يقول (شوفيه و إيزامبرت) في كتابهما “رحلة وصفية وتاريخية و أثرية في الشرق” ص492 عندما يتحدث عن كوكب ” أنه يجب أن نعتبر هذا المكان المحل الذي حدثت فيه رؤيا القديس بولس واهتدائه إلى المسيحية كما ذهبت إلى ذلك أقدم التقاليد التي كانت مقبولة في زمن الصليبيين. و مثله يقرر جاكيه في كتابه عن أعمال الرسل ويقول د.يوسف سمارة :” واسم كوكب نفسه أليس فيه كثير من الدلالة على النور الذي غمر بولس في طريقه إلى دمشق “.
أما العّلامة الأستاذ محمد كرد علي صاحب كتاب “خطط الشام ” فيقول في الجزء السادس عن رواية البكري أنه قال :” ودير بولس آخر ودير بطرس أو نطرس وهما معروفان بظهر دمشق في نواحي بني حنيفة في ناحية الغوطة ، وإياهما عنى جرير بقوله :

لمّا تذكرت بالديرين أرقني صوت الدجاج وقرع النواقيس

فقلت للركب إذ جدَّ المسير بنا يا بعد يبرين من باب الفراديس


ويتحدث وصفي زكريا في الجزء الثاني من كتابه “الريف السوري ” ص 405 - 406 عن خربة كوكب فيقول:"إن سبب وجود الكنيسة والدير هناك هو ما جاء في الكتب المسيحية من أن هذا المكان هو الذي اهتدى فيه شاول (مار بولس ) حينما كان قادماً إلى دمشق ليلقي القبض على من تنّصّر فيها ويسوقهم إلى أورشليم موثقين" وأن الآية الباحثة عن هذا الاهتداء وعن ظهور المسيح ومخاطبته شاول قد وقعت هنا :"في ذهابه حدث أن أقترب إلى دمشق فبغتةً أبرق حوله نور من السماء فسقط على الأرض وسمع صوتاً قائلاً له:"شاول شاول لماذا تضطهدني؟ وصار لا يبصر أحداً فاقتادوه بيده وأدخلوه إلى دمشق وآمن بالمسيح وأخذ ينشر الدين الذي كان يريد القضاء عليه…"


ولا يزال سكان القرى المجاورة لكوكب يدعون هذا المرتفع باسم تلة مار بولس، ولها عندهم منذ القرون الأولى حرمة وتقديس، فقد كانوا ينذرون تعميد أطفالهم في الدير. وبعد زواله اصبحوا يقومون بذلك على قمة التلة كونها مقدسة. وبقي الحال حتى بناء الدير مجدداً في عام 1962. وأذكر كلاماً للمرحوم الارشمندريت نقولا رزق كاهن بلدة صحنايا مع غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع عام 1980، عندما زار غبطته هذه البلدة بعد تسلمه العرش الانطاكي عام 1979. نقل فيه إلى غبطته تمنيات أهالي رعيته ورعية جديدة عرطوز من أجل الإهتمام أكثر بدير القديس بولس في كوكب، خاصة وقد كثرت التعديات على بنائه وأرضه. وقد روى لغبطته الكثير من التعديات والمخالفات ، ثم استعرض لغبطته قصة شراء البطريركية لهذه الأرض في الثلاثينيات في عهد مثلث الرحمات البطريرك الكسندورس طحان ، حيث قال حرفياً: "في الثلاثينيات جاءني صاحب أرض كوكب وهو من أعيان المسلمين الدمشقيين قائلاً لي بأن رهباناً أجانب جاءوه مؤخراً ومعهم خرائط قديمة استدلوا منها على موقع رؤية بولس الرسول في كوكب وبذلوا له مالاً وفيراً ليبيعهم الأرض من أجل أن يبنوا عليها ديراً …" ويتابع الارشمندريت نقولا نقلاً عن صاحب الأرض ما قاله :"… أجبتهم أنني وإن كنت مسلماً ولكنني عربي أولاً وأخيراً ودمشقي بالأخص ولا أبيع هذه الأرض إلا لأبناء عمومتي العرب المسيحيين الأرثوذكس وعلى رأسهم البطريرك الكسندورس طحان الدمشقي وقبله البطريرك غريغوريوس حداد نصير الملك فيصل والثوار في الغوطة ومطعم الجياع رحمه الله، فهم أصحاب هذه الأرض، وهي أرضهم قبل أن يأتي الإسلام إليها ، وأنا وإن كنت مسلماً وافتخر بذلك ، إلا أنني افتخر أيضاً بأبناء بطريركية الروم الأرثوذكس فتاريخهم يشهد على عروبتهم ولهم وحدهم حق بناء الأديرة على مزاراتهم المقدسة .وإن لم يدفعوا لي ثمن هذه الأرض فأنا أهبها لهم فهي حقهم الطبيعي. وكان لهم فيها دير عظيم على ما نعرف وآثاره تشهد بذلك…"
ويتابع الارشمندريت رزق فيقول:”سارعت وعرضت الأمر على سيدنا البطريرك الكسندروس الذي أعجبته شهامة السيد المذكور وعروبته وطلب الاجتماع به ، ودعوته إلى البطريركية ، واجتمعا بحضوري فيها فكلفني البطريرك بشراء الأرض ومتابعة إجراءات تسجيلها وقفاً أرثوذكسياً وقدم للبائع مبلغاً قليلاً قياساً على ما قدمه الرهبان الأجانب . ومع ذلك وافق البائع واعتبر ذلك مساهمة منه في البناء لأنه كان قد علم بأن البطريركية كانت تقوم بوفاء الديون الباهظة التي استدانها مثلث الرحمات البطريرك غريريوس الرابع حداد أيام "السفر برلك " لإطعام الناس بغض النظر عن أديانهم . وغادر المذكور البطريركية وهو يكيل الدعاء للبطريرك الكسندورس بطول العمر ".

ولقد بقيت هذه الأرض مهملة لم تستطع البطريركية بناء الدير فيها لعدم توفر السيولة النقدية من جانب ولكونها أصبحت منطقة عسكرية بعد قيام دويلة إسرائيل فيها عام 1948 وقد عسكر فيها الجيش العربي السوري منذ ذاك التاريخ .


وفي عام 1961 تم شراء أجزاء جديدة من هذا الموقع وبدأ البناء بسعي البطريرك ثيوذوسيوس أبو رجيلي عند البطريرك الروسي الكسي وذلك في زيارته الأخوية الأولى إلى البطريركية الأرثوذكسية الروسية في موسكو . وقد تبرعت الأخيرة مشكورة بتبرع سخي من أجل تنفيذ ثلاثة مشروعات أرثوذكسية في دمشق وهي : بناء هذا الدير في موقعه التاريخي وقد قدمت أيضاً مخططات هندسية ، وبناء مستشفى أرثوذكسي في دمشق مع تجهيزاته الفنية والطبية مماثلاً لمستشفى القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في الأشرفية ببيروت ، ومخبر حديث جداً لمدارس الآسية الأرثوذكسية .


وبالفعل تم بناء دير رؤية القديس بولس في كوكب ، وتجهيز مخبر مدارس الآسية فيما حوّلت المعونتان المالية والفنية المخصصة لبناء المستشفى بدمشق إلى مستشفى القديس جاورجيوس ببيروت. أما شكل الدير حالياً فهو عبارة عن بناء دائري شامخ في وسطه كنيسة وقد أحيط بأطلال أعمدة وقناطر لتوحي للناظر بقدم هذه الذكرى .


وقد تابع غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع السير في طريق أسلافه في الاهتمام بهذا الدير فشكل لجنة من القرى المجاورة لتهتم به ولتسترجع أراضٍ منه كانت قد أُستملكت وتم تسييجه ووضع ناطور فيه . وأخيراً كلف قدس الأشمندريت متى رزق أحد كهنة البطريركية الشباب وهو من بلدة جديدة عرطوز بالإقامة فيه وتأسيس رهبنة له والسعي لتطويره بالتعاون مع اللجنة الخاصة بذلك وجدير بالذكر أنه يقام في هذا الدير ومنذ تدشينه عام 1962 قداس احتفالي في 29 حزيران من كل عام بمناسبة عيد الكرسي الانطاكي المقدس تحضره ألوف وافدة من المؤمنين من دمشق ومعظم الأرجاء السورية واللبنانية بالإضافة إلى أبناء الرعايا المجاورة .

وتنفيذاً لإعلان غبطته من إنطاكية مع شقيقه البطريرك المسكوني برثلماوس في 29 حزيران 1999 عن بدء الاحتفالات الألفية لتشمل كل العالم الأرثوذكسي مع خصوصيته لدمشق عاصمة الكرسي الانطاكي ، فإن هذه الاحتفالات بدأت في الدير المذكور في أول السنة الكنسية في 1 أيلول 1999 وذلك لأهمية هذا الدير . وقامت أخويةإحياء و نشر تراث القديس بولس الرسول الروسية بتدبير من السيد سمير غضبان ووالده الدكتور شكيب بوضع نصب تذكاري للقديس بولس في ساحة الديرباحتفال كبير برئاسة غبطة البطريرك اغناطيوس الرابع وبحضور حشد كبير من رجال لدين المسيحي والإسلامي ولجنة إحياء تراث القديس بولس الروسية يتقدمها الجنرال فالانتين مستشار الرئيس الروسي بوتين وآلاف من المؤمنين...

الخاتمة:
ختاماً نقول أن هذا الموقع يعطينا دليلاً ضافياً على أهمية سورية مسيحياً بشكل عام ودمشق المقدسة بشكل خاص فهذه لم تكن فقط مجرد بوابة عبور للمسيحية بل كانت صاحبة الدور الرئيس في نقلها بالبشارة مع بولس الرسول وغيره وإلا لما كانت تلي إنطاكية في الأهمية ولما أصبحت العاصمة الأبدية للكرسي الانطاكي المقدس وما ذلك إلا لكونها زاهية بلاد الشام وعاصمتها الخالدة على مر العصور وهذا فخرنا وعزتنا .

سورية ، إذا اتخذت الرقعة الأرضية ، أو عدد السكان مقياساً للأهمية ، بلد صغير في الكرة الأرضية ، ولكنها تقف في أول البلدان الأخرى وذلك لعراقتها حضارياً وغناها بأوابدها الخالدة . وما تزال حدودها الجغرافية على كثرة ما اختزلته منها الأحداث على مر العصور ، تضم كنوزاً فوق كل ثمن ، منها الديني ومنها الحربي والفني ومنها الطبيعي والفولكلوري .

 

This site was last updated 08/10/19