Encyclopedia - أنسكلوبيديا 

  موسوعة تاريخ أقباط مصر - Coptic history

بقلم المؤرخ / عزت اندراوس

مفاتيح ملكوت السموات

 إذا كنت تريد أن تطلع على المزيد أو أن تعد بحثا اذهب إلى صفحة الفهرس تفاصيل كاملة لباقى الموضوعات

أنقر هنا على دليل صفحات الفهارس فى الموقع http://www.coptichistory.org/new_page_1994.htm

Home
Up
البــدء
شهودا ليسوع
الكلمة Logos
البِـــــرّ
اليقين المسيحى
علانية
الهرطقة العنصرية / العنصــــرية
النسوة اللاتى تبعن يسوع
 مدعوون
علانيه
مفاتيح ملكوت السموات
الحــــق
الخلاص فى المسيحية
الإعتراف
مخطوطات وادى قمران
الهلاك
الدهن والمسح بالكتاب المقدس
Untitled 6594
ممارسات الدفن
القلب
الصلاة فى المسيحية
السلام
الإرتداد  فى المسيحية والردة  فى الإسلام
النسوة اللواتى تبعن يسوع
وصف الله كإنسان
الفداء
العهــد
الإختيــــــار
تعــــــزية
تسلسل لأعمال السيد المسيح
النساء فى الكتاب المقدس
 التــــوبة / الغفــران
الموت : الهاوية / الفردوس وجهنم
يجـــرب
أبحاث لمواضيع مختلفة1
الإرتداد .. والهرطقة
أبحاث لمواضيع مسيحية مختلفة2
أبحاث لمواضيع مسيحية مختلفة3
أقسام / أسفار الكتاب المقدس
Untitled 7888
Untitled 7889

 

الفصـل الثالث
الصخرة والمفاتيح

فى هذا الفصل والفصل التالى ننشغل معاً بهذه النصوص الثلاثة الهامة التى قالها الرب يسوع واعتقد البعض أنها تتحدث عن الاعتراف بالخطايا فى جلسة منفردة مع أحد القسوس من أجل نوال الغفران :
• «أنت بطرس وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوي عليها. وأُعطيك مفاتيح ملكوت السموات. فكل [ وكل KJV, NAS, DBY ] ما تربطه علي الأرض يكون مربوطاً فى السموات. وكل ما تحله علي الأرض يكون محلولاً فى السموات » ( مت 16 : 18 ، 19 ) ..
• « اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تُغفر له. ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت » ( يو 20 : 22 ، 23 ) ..
• « الحـق أقول لكم كل ما تربطونـه علي الأرض يكون مربوطـاً فى السماء. وكل ما تحلونـه علي الأرض يكـون محـلولاً فى السماء » ( مت 18 : 18 ) ..
وكحقيقة تاريخية لم يفسر أحد من معلمى الكنيسة فى القرون الأُولي هذه النصوص علي أنها تشير إلي الاعتراف بالخطايا إلي قس فى جلسة منفردة (5).. وفى هذا الفصل ندرس المقطع الأول من النص الأول والنص الثانى بكامله .. فى النص الأول يقول الرب يسوع لبطرس :
« أنت بطرس وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى وأبواب الجحيم لن تقوي عليها . وأُعطيك مفاتيح ملكوت السموات » ..
أمامنا هنا سؤالان هامان .. ما المقصود بالصخرة ؟ والمفاتيح ؟..
1 ـ الصخــرة
« أنت بطرس وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى »
( مت 16 : 18 )
لقد نطق الرب هذه الكلمات باللغة الآرامية ( لغته الدارجة ) ثم دوّنها متي مُلهماً بالروح القدس فى إنجيله بعد أن ترجمها إلي اللغة اليونانية القديمة .. فى اللغة الآرامية كل من الاسم « بطرس » والكلمة « صخرة » هما كلمة واحدة هى « Kapa » التى تُكتب فى الترجمة العربية لأسفار الكتاب المقدس « صفا » ( 1كو 1: 12، غل 2: 9 ) .. أما فى الترجمة اليونانية التى كتب بها متي إنجيله فنجد أنه استخدم كلمتين « Petros » و « Petra » للتعبير عن كلمة « Kapa » .. وهكذا نجد أن الآية بالآرامية هى :
« أنت بطرس [ kapa ] وعلي هذه الصخرة [ Kapa ] أبنى كنيستى » ..
بينما باللغة اليونانية :
« أنت بطرس [ Petros ] وعلي هذه الصخرة [ Petra ] أبنى كنيستى » ..
لماذا أقدم متي علي هذا الاستخدام باللغة اليونانية ؟ ..
إن كلمة « Kapa » « صخرة » بالآرامية هى « Petra » باليونانية ، لكن هذه الكلمـة مؤنثـة لا تصـلح أن تكون اسـم رجل لهذا ترجم متي كلمـة « Kapa » الثانية إلي كلمة « Petros » الكلمة المذكـّرة المشتقة من كلمـة « Petra » لتصبح هى اسم بطرس باليونانية .. ويقول دارسو اللغة اليونانية القديمة إن الكلمتين « Petros » و « Petra» مستخدمتان كثيراً كمترادفتين لهما نفس المعني (6) .. وإن كانت فى بعض الأحيان تستخدم كلمة « Petros » للصخور الصغيرة بينما تعنى « Petra » دائماً صخرة ضخمة (7) ( كما فى متي 27: 6 ) ، وهذا الاختلاف فى الاستخدام جعل البعض أمثال ذهبى الفم يعتقدون أن المقصود بالصخرة « Petra » هو الإيمان بالرب يسوع الذى أظهره بطرس وليس شخص بطرس نفسه (8) ..
حين سأل الرب التلاميذ « أنتم من تقولون إنى أنا » ( مت 16: 15 ) بادر بطرس بالإجابة مُظهِراً إيمانه بقوله « أنت هو المسـيح ابن الله الحىّ » ( مت 16: 16 ) ، هنا قال الرب له مباشرة « أنت بطرس [Petros] وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى » ( مت 16 : 18 ) .. علي هذا الأساس يعتقد هؤلاء المفسرون أن الرب استغل فرصة إظهار بطرس إيمانه بأن الرب هو المسيح ابن الله ليعلن أنه سيبنى كنيسته علي هذا الإيمان ، لكن كلمات اللغة الآرامية التى نُطِقَت بها هذه العبارة أصلاً تجعلنا نميل إلي الاعتقاد بأن الرب قَصَدَ بالصخرة بطرس نفسه وليس الإيمان الذى أظهره بطرس .. وكما فى اللغة الآرامية كل من الاسم « بطرس » والكلمة « الصخرة » هما كلمة واحدة « Kapa » كذلك الحال أيضاً فى اللغة الفرنسية :
“Et moi, je te dis que tu es Pierre, et que sur cette pierre je bâtirai mon Eglise”
لهذا لا نتوقع من قارىء هذه الترجمة الفرنسية الكلاسيكية(9) أن يفهم من كلمات الرب سوي ما نميل إلي الاعتقاد به أن المقصود بالصخرة هو بطرس وأن الرب أراد أن يقول له سأبنى عليك كنيستى، فما المعني ؟ ..
الأحجـار الحيـة
شبّه الرب كنيسته ( المؤمنين الحقيقيين المغسولين بدمه فى كل مكان وزمان ) فى كلماته لبطرس بالبناء ، وشبهتها رسالة أفسس بهيكل أُورشليم ( أف 2: 21 ) .. وتقول لنا رسالة بطرس الأُولي إن المؤمنين هم الأحجار الحية التى تُكوّن هذا البناء ، الهيكل ( 1بط 2 : 5 ).. وهكذا يمكننا أن نفهم كلمات الرب لبطرس علي النحو التالى :
« لقد أسميتك « Kapa » [ صفا ] وستكون اسماً علي مسمي ، ستكون كالصخرة الثابتة حينما يأتى وقت استخدامى لك فى بناء هيكلى الروحى ، فستُبنَي علي كرازتك باسمى أحجار حيّة كثيرة .. خطاة سيصيرون من خلال كرازتك مؤمنين.. ولن تزعزعك قط الاضطهادات ولن تقدر أن تجعلك تتراجع عن الشهادة لى لأنك ستكون صخرة « Kapa » ثابتة » ..
هذا بالفعل ما حدث تماماً بعد امتلاء بطرس بالروح القدس فى يوم الخمسين ، فقد استخدمه الرب فى ضم الآلاف إلي الكنيسة ليكونوا أحجاراً حية ثمينة فى هيكله العظيم .. اقرأ سفر أعمال الرسل وستري أنه بالفعل كان كالصخرة الثابتة فلم يتراجع عن الكرازة برغم قسوة الجَلْد والحبس الذى تعرّض له ..
ليس الوحيد
كما تحدّث سفر أعمال الرسل عن استخدام الرب لبطرس كصخرة فى بناء هيكله الروحى فقد خصص الكثير من أصحاحاته للحديث عن استخدام الرب المجيد لبولس ، فلم يستخدم الرب بطرس فقط بل أيضاً بولس وباقى الرسل فى بناء كنيسته .. لا لم يكن بطرس الصخرة الوحيدة التى بني عليها الرب أحجاراً حية فى هيكله .. كتب الرسول بولس إلي المؤمنين فى أفسس يقول لهم :
«مبنيين علي أساس الرسل والأنبياء » ( أف 2: 20 )
فكما اسـتخدم الرب يسـوع كـرازة وتعليم بطرس استخدم أيضاً كرازة وتعليم بقية الرسل كما استخدم الأنبياء مثل أغابوس ( أع 11 : 27 ، 28 ) ، فبطرس ليس الصخرة الوحيدة أو التى بلا مثيل.. اُنظر كيف تقول عنه رسالة غلاطية إنه أحد أعمدة الكنيسة وليس عمودها الوحيد ..
«يعقوب وصفا [ أى بطرس كما فى 1كو 15: 5 ] ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة » ( غل 2: 9 ) ..
ولا يفوتك الانتباه إلي أن هذه الآية تذكر بطرس بعد يعقوب وهو ما يعنى أن بطرس ليس العمود أو الصخرة التى بلا مثيل كما أنه لم يكن رئيساً للرسل ، ويؤكد ذلك تفاصيل اجتماع الرسل المذكورة فى سفر الأعمال ( أع 15 : 13 ، 22 ، 23 ) ، وأيضاً توبيخ بولس له عندما كانا فى إنطاكية ( غل 2: 11 - 14 ) ..
قارئى العزيز ، الحقيقة هى كما قال أُوريجينوس فى القرن الثالث إن كل تلميذ للمسيح هو صخرة .. وإن كلمات الرب لبطرس « أنت صخرة Petros » هى لنا أيضاً (10).. نعم الرب يريد أن يستخدمك أنت أيضاً فى بناء هيكله .. يريد أن يعمل بك بطريقة أو بأُخري لإضافة أحجار حية جديدة إلي هيكله العظيم ، فهل تأتى إليه بإيمان طالباً أن يهبك القوة لكى تكون فى خدمتك له صخرة ثابتة تحاربك قوي الظلمة ولا تقوي عليك ؟ ..
هل تؤمـن أن الرب جعـلك صخـرة ثابتـة ؟ .. لا يعنـى هذا أنك صـرت معصـوماً عن الخـطأ ، فبطرس نفسـه أخـطأ أكثـر من مـرة ( مر 14 : 72 ، غل 2 : 11 ) .. لكنك فى كل مرة تسقط فيها سيحثـك الروح القـدس أن تقـوم بسـرعة لتواصـل العمل لأجـل الرب ، وسيهبك أيضاً القوة التى تحتاجها ..
بطرس صخرة بمعني محدد
فى إنجيل متي الأصحاح السابع يقول الرب إن البيت المبنى علي الصخـر « Petra » لا ينهدم متي نزل عليه المطر وجاءت الأنهار وهبت الرياح ، فهذا البيت يستمد ثباته وأمانه من الصخر الذى بُنى عليه.. ومن المؤكد أن الرب لم يقصد هذا المعني حين شبّه بطرس « Petros» بالصخرة ، فكلمة الله واضحة تماماً فى إعلانها أن الصخرة « Petra» التى هى مصدر أمان وثبات الكنيسة ( المؤمنين ) ليست بطرس أو بولس أو أى إنسان آخر بل الرب يسوع نفسه ..
• فها هو سفر إشعياء يعلن أن الرب يسوع « حجراً .. كريماً أساساً مؤسسـاً » ( إش 28 : 16 ) ..
• وتقـول الرسالة الأُولي إلي كورنثوس « لا يستطيع أحـد أن يضع أساساً آخر غير الذى وُضِع الـذى هو يسـوع المسيح » ( 1كو 3 : 11 ) ..
• وبطـرس نفسـه يشـهد أن الـرب يسـوع هو هـذه الصخـرة « Petra » فى رسالته الأُولي مستشهداً بكلمات سفر إشعياء السابقة وأيضاً بآية من سفر المزامير ( مز 118 : 22 ) مؤكداً أن الرب كما هو صخرة لثبات المؤمنين فهو أيضـاً « صخـرة [ Petra ] عثرة [ للذين يقاومـونه ] » ( 1بط 2 : 8 ) ..
لا ليس بطرس صخرة « Petra » بمعني أنه أساس الكنيسة التى تستمد منه ثباتها وأمانها .. كلا بل هو صخرة « Petros » لأن الرب استخدم كرازته فى بناء أحجار حية شيد بها الكنيسة ، وأعطاه أن يكون كالصخرة القوية فى إتمامه لهذه الكرازة ..
2 ـ المفاتيـــح
بعد أن قال الرب لبطرس « أنت بطرس وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى » أضـاف قائلاً « وأُعطيـك مفاتيح ملكـوت السموات » ( مت 16: 19 ) .. فماذا كان يقصد بهذه المفاتيح ؟.. اُنظر معى إلي هذا الحديث الذى وجهه الرب إلي الكتبة والفريسيين:
« ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قُدّام الناس فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون » ( مت 23: 13 )..
الرب يقول إن الكتبة والفريسيين أغلقوا ملكوت السموات قدام الناس ، هذا معناه أنه كان لديهم مفتاح باب الملكوت لكن بدلاً من أن يفتحوا به الباب أغلقوه .. فما هو هذا المفتاح ؟ .. الإجابة نجدها فى لوقا 11 حيث يقول الرب للناموسيين [ معلمى الشريعة ] :
« ويل لكم أيها الناموسيون لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة. ما دخلتم أنتم والداخلون منعتموهم » ( لو 11: 52 )..
هنا يتضح بجلاء أن المفتاح الذى أُغْلِقَ به باب ملكوت السموات هو مفتاح المعرفة.. فالكتبة والفريسيون والناموسيون كانت لهم معرفة جيدة بالحق وبما تقوله أسفار العهد القديم عن المسيا المنتظر ( الرب يسوع ) .. كان بإمكانهم أن يعلنوا هذا الحق للناس حتي يؤمن الكثيرون بالرب فيدخلوا الملكوت لكنهم لم يستخدموا المفتاح حتي من أجل أنفسهم ، فلم يتصرفوا بحسب الحق الذى يعرفونه كما لم يظهروه للناس .. هذا المفتاح ، مفتاح معرفة الحق ، أعطاه الرب لبطرس .. لقد وهبه امتياز أن يعرف الحق وأن يعلنه للناس ، أن يعلن لهم طريق الخلاص حتي يؤمنوا بالرب يسوع فيدخلوا إلي ملكوت السموات ..
لاحظ أيضاً أن الرب لم يقل لبطرس « وأُعطيك مفتاح ملكوت السموات » بل «مفاتيح » بالجمع.. لماذا ؟ .. لأن بطرس كرز بالحق لأكثر من شعب ، وأعلن الحق نقياً ولكن بالطريقة ( المفتاح ) التى تناسب كل منهم .. لقد أعلن الحق لليهود ثم للسامريين ( عبادتهم تمزج بين الله والأوثان ) ثم للأُمم الوثنيين :
• فى الأصحاح الثانى من سفر أعمال الرسل نري بطرس يفتح باب ملكوت السموات لليهود .. لقد أعلن الحق واضحاً للجماهير المحتشدة ، وقال لهم بكلمـات مباشرة عن نـوال الخلاص « كل من يدعو باسم الرب يخلـص » ( أع 2: 21 ) .. وما أعظم النتيجة ، دخل من اليهود إلي الملكوت فى هذه المناسبة ثلاثة آلاف نفس ..
• وفى الأصحاح الثامن نقرأ أن بطرس ومعه يوحنا يفتحان باب الملكوت لكثيرين فى قري السامريين بإعلانهما الحق متكلمين بكلمة الرب ( أع 8 : 25 ) ..
• ثم فى الأصحاح العاشر نري بطرس يفتح باب الملكوت للأُمم باستخدام مفتاح معرفة الحق أيضاً ولكن بالطريقة التى تناسب الأُمم .. ففى بيت كرنيليوس تحدث إليه وإلي أنسبائه وأصدقائه عن طريق الخلاص مقدماً لهم الحق بكل وضوح أن الخلاص بالإيمان بالرب « له [ أى للرب ] يشهد جميع الأنبياء أن كل من يؤمن به ينال باسـمه غفـران الخطـايا » ( أع 10: 43 ) .. وما أعظم أيضاً النتيجة لقد دخل كل الذين سمعوه إلي الملكوت واعتمدوا بالروح القدس ..
وليس بطرس وحده الذى أعطاه الرب مفاتيح الملكوت ، مفاتيح معرفة الحق لكى يذيع أخبار الإنجيل السارة لنوعيات مختلفة من الناس .. يقول بولس فى رسالته الأُولي إلي تسالونيكى شاهداً أن الرب أعطاه هذه المفاتيح :
«كما استُحسنا من الله أن نُؤتمن علي الإنجيل [ إخبار الناس بطريق الخلاص ] هكذا نتكلم » (1 تس 2: 4 ) ..
ويقول لنا سفر أعمال الرسل إن بولس تحدث مع المؤمنين فى أنطاكية وأخبرهم أن باب الملكوت قد انفتح به أمام الأُمم ( غير اليهود ) :
« أخبرا [ بولس وبرنابا ] بكل ما صنع الله معهما وأنه فتح للأُمم باب الإيمان » ( أع 14: 27 ) ..
وليس بطرس ويوحنا وبولس وبرنابا وحدهم هم الذين أخذوا هذه المفاتيح العظيمة لإذاعة الحق بل أيضاً باقى الرسل وكل الذين دعاهم الرب أن يكونوا مبشرين باسمه ..
مناسبة إعطاء المفاتيح
تأمل المناسبة التى أعطي فيها الرب لبطرس هذه المفاتيح :
« سأل [ الرب ] تلاميذه قائلاً من يقول الناس إنى أنا ابن الإنسان. فقالوا . قوم يوحنا المعمدان. وآخرون إيليا . وآخرون إرميا أو واحد من الأنبياء . قال لهم وأنتم من تقولون إنى أنا . فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحى . فأجاب يسوع وقال له طوبي لك يا سمعان بن يونا . إن لحماً ودماً لم يُعلِن لك لكن أبى الذى فى السموات . وأنا أقول لك أيضاً أنت بطرس وعلي هذه الصخرة أبنى كنيستى» ( مت 16: 13-18 ) ..
اُنظر لقد أعطي الرب لبطرس هذا الوعد بأنه سيستخدمه كصخرة لا يزعزعها الاضطهاد مباشرة بعدما اعترف بطرس به أنه هو المسيح ابن الله الحى ..
• ففى الوقت الذى اعتبر الناس فيه أن الرب نبى كإيليا، أعلن بطرس يقينه بأنه هو المسيح « الممسوح The Anointed One » الذى تنبأ عنه إشعياء بأنه سيأتى ليشفى النفوس ويحـررها ( إش 61: 1 ) والذى تنبأ عنه دانيال ( دا 9: 24 - 26 ) إنه قدوس القديسين الذى يأتى ليملك .. ففى كلمات بطرس « أنت هو المسيح » إعلان عن إيمانه بالرب يسوع أنه الملك قدوس القديسين المحرر والشافى .. المسيا المنتظر ..
• وفى الوقت الذى رأي فيه الناس الرب يسوع أنه روح إرميا النبى أو نبى آخر اعترف بطرس به أنه ابن الله الحى ، فقد رأي « مجده مجداً كما لوحيدٍ من الآب مملوءاً نعمة وحقاً» ( يو 1: 14 ) ، والذى برؤية مجده يتغير الإنسان من مجد إلي مجد ( 2 كو 3 : 18 ) ..
هل امتلأ قلبك مثل بطرس بهذا اليقين أن الرب يسوع هو المسيا، الملك الذى يُخلّص النفوس ويحررها ويشفيها لتحظي بالراحة من كل جهة ؟ .. وهو ابن الله الحى الذى تري مجده فتتغير من مجدٍ إلي مجدٍ ؟.. ثم هل بداخلك اشتياق أن تساهم مساهمة فعّالة فى بناء كنيسته وامتداد ملكوته ؟ .. أنت مثل بطرس تحتاج أن تثق أن فى يدك هذه المفاتيح العظيمة ، وفى كل مرة يدفعك الروح القدس للذهاب إلي الخطاة لتحدثهم عن الخلاص سيهبك المفتاح المناسب لهم .. سيعطيك أن تخبرهم بالحق ولكن بالطريقة التى تناسب حالتهم وخلفياتهم ، فلم يتكلم الرب مع السامرية ( يو 4 ) بذات الطريقة التى تكلم بها مع نيقوديموس ، كما لم يتحدث بولس مع اليهود فى مجامعهم بذات الأُسلوب الذى خاطب به الوثنيين اليونانيين .. نعم سيهبك الله المفتاح المناسب لكل مجموعة ، وأحياناً لكل شخص ..
لا تخف إذا حاربك إبليس حين تستخدم المفاتيح ، وثق تمام الثقة أن الرب سيهبك القوة والثبات فى مواجهة قوي الظلمة .. ستكون مثل بطرس صخرة ثابتة ..
النَصْ الثانى
كلمات الرب يسوع إلي تلاميذه عشية يوم قيامته المسجلة فى إنجيل يوحنا تتعلق باستخدام المفاتيح بشكل مباشر .. لقد فسّرها البعض علي أنها تتحدث عن اعتراف الخاطىء بخطاياه إلي القس كى ينال الغفران ، فهل هذه هى الحقيقة ؟ .. لنقرأ سوياً :
« من غفرتم خطاياه تُغفر له . ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت »
( يو 20 : 23 )
أرجو منك الانتباه إلي هذه النقطة الهامة التى تساعدنا فى فهم هذه الآية .. لقد استخدم إنجيل يوحنا فى الأصل اليونانى زمناً فريداً للفعلين « تُغفر له » و « أُمسِكت » هو « perfect indicative passive » الذى له استخدام خاص ودلالة بالغة الأهمية فى هذه الآية .. فعلي الرغم من أن كل من الفعلين « تُغفر له » و« أُمسِكت» جاء فى النصـف الثـانى من الجملة إلا أن هذا الزمن يجعـل توقيت حدوثهما يأتي سابقاً ( أولاً ) بمعني أن غفران الله للخطـايا هو الأمر الذى يحدث أولاً ثم يتبعه كنتيجة له غفران التلاميذ للخطايا (11).. إليك إحدي الترجمات باللغة الإنجليزية NASB التى أخذت هذه الحقيقة فى الاعتبار ..
“If you forgive the sins of any, their sins have [previously] been forgiven ...”
« إذا غفرتم خطايا لأشخاص ما، فهذه الخطايا تكون قد غُفِرت لهم قبلاً .. »
وقد تُرجِمـت هذه الآيـة علي هذا النحـو أيضاً فى الترجمة اللاتينية Latin Vulgate ( منذ 1600 عام ) والترجمة الألمانية ( منذ 400 عام )(12) .. كما يُلاحظ أن جملاً أُخري فى الكتاب المقدس قد صيغت بهذه الطريقة الفريدة ( تك 30: 33 ؛ 43: 9 ؛ 44: 32 ) فى كل من الأصل العبرى والترجمة اليونانية السبعينية ..
والخلاصة أن هذه الآية لا تعنى أن الله سيخضع لما يقرره ( يحكم به) التلاميذ بشأن غفران خطايا الناس ، فليس الله هو الذى سيخضع لما يقرره التلاميذ بشأن الغفران بل التلاميذ هم الذين يجب عليهم أن يخضعوا لما يقرره الله .. وبكلمات أُخري عليهم أن يغفروا للناس الخطايا التى سبق الله وغفرها ..
إن معني أن الله يغفر للخاطىء خطاياه هو أنه سيتعامل معه كأنه لم يخطىء .. وهذا أيضاً هو معني أن يغفر التلاميذ ( الكنيسة) لشخص خطاياه ، أن يتعاملوا معه كأنه لم يخطىء أى أن يقبلوه عضواً ضمن أعضاء الكنيسة يشترك معهم فى عبادتهم وأيضاً فى التقدم إلي مائدة الرب .. وكيف يتم القبول ؟ .. لا خلاف فى أن الباب الرسمى لدخول أى شخص إلي شركة أعضاء الكنيسة هو المعمودية بالماء ..
وكأن الرب يقول فى هذه الآية إنه يتعين علي الكنيسة ألا تغفر لشخص أى لا ترحب به فى الشركة معها إلا بعد أن تتأكد أن الله سبق وغفر لهذا الشخص خطاياه ..
إن فعـل « غفـرتم » فى عبارة « من غفرتم خطاياه » يأتى فى زمن second aorist الذى يدل علي حدث conclusive نهائى لا يتكرر حدوثه باستمرار (13) .. فالإشارة هنا إلي حدث نهائى هو ترحيب الكنيسة بالخاطىء فبعد أن تتأكـد من أن الله غَفَرَ خطـاياه تقوم بتعميده بالماء لتعلن أنها هى أيضاً قد غفرت له وأنها تقبله عضواً يتمتع بكل امتيازات حياة الشركة مع المؤمنين ..
وبدراسة المناسـبة التى نطـق فيها الرب بهذه الكلمـات كما سجلها يوحنا ( 20 : 19 ـ 23 ) ومرقس ( 16 : 14 ـ 18 ) ولوقا ( 24 : 36 ـ 49 ) يظهر أن كلمات الرب وردت فى سياق حديثه عن الكرازة للخطاة ، فإنجيلا مرقس ولوقا يُظهران بكل وضوح أن هذا كان موضوع حديث الرب فى هذا اللقاء ( مر 16 : 15 ، لو 24 : 47 ) ، وأنه لم يكن يتحدث إلي الرسل وحدهم بل أيضاً تلاميذه أى الدائرة الأكثر اتساعاً وتشمل المؤمنين الذين التصقوا به بالإضافة إلي الرسل .. يقول يوحنا « وكانت الأبواب مغلقـة حـيث كان التلاميـذ مجتمعـين .. جـاء يسـوع .. وقـال لهـم .. من غفـرتم خطـاياه .. » ( يو 20 : 19 ، 23 ) .. وحسب ما سرده لوقا « فقاما فى تلك الساعة [ كليوباس وتلميذ آخر وهما ليسا رسولين ] ورجعا إلي أُورشليم ووجدا الأحد عشر [ الرسل ] مجتمعين هم والذين معهم .. وفيما هم يتكلمـون .. وقف يسوع نفسه فى وسطهم وقال لهم سلام لكم » ( لو 24 : 33 ، 36 ).. وبكلمات أُخري فإن كلمات الرب « مَن غفرتم .. ومَن أمسكتم » كانت موجهة إلي الكنيسة فى أمر يخص الكرازة ..
نعم هناك علاقة وثيقة بين كرازة الكنيسة وغفرانها لخطايا الخطاة .. فنتيجة للكرازة باسم الرب يسوع وإعلان الحق ( استخدام المفاتيح ) تتوب نفوس كثيرة وتؤمن بالرب يسوع وتقبل خلاصه ، فيمحو الله كل ذنوبها ويهبها الميلاد الثانى ويصبح للكنيسة دور هام معها هو أن تغفر خطايا كل خاطىء نال الخلاص ، أى أن تضمه إلي شركتها بعد تأكدها مما حدث له من خلال استماعها إلي شهادته ورؤيتها لثمر الخلاص واضحاً فى سلوكه ، تفعل هذا وهى تصلى معتمدة علي قيادة الروح القدس ..
فإذا تأكدت الكنيسة من خلاص هذا الشخص يصبح عليها أن تغفر له خطاياه مثلما غفرها الله أى أن تراه كما يراه الله نفساً مُطهرة من خطاياها بالدم ، فتقبل أن يكون هذا الشخص عضواً من أعضائها وتعمده بالماء لتعلن بالمعمودية أنه نال الخلاص وغفران الخطايا .. أما إذا لم تتأكد من خلاصه ، فعلي الكنيسة أن ترفض أن تغفر له .. بمعني أن هذا الشخص يظل فى نظر الكنيسة خاطياً كما هو فى نظر الرب ولا تقوم بتعميده .. ونلاحظ أن معلمى الكنيسة فى القرون الثلاثة الأُولي فسروا كلمات الرب « من غفرتم .. » علي أنها تتحدث عن معمودية الماء (14) ..
مثــال
يقدم سفر أعمال الرسل هذا المثال عن غفران الكنيسة لخطايا الخطاة .. ففى بيت كرنيليوس استخدم بطرس مفتاح الملكوت .. لقد أخبر الحاضرين بالحق الخاص بالخلاص .. وبينما هو يتكلم وقع أمر أثار انتباهه .. لقد رأي سامعيه « يتكلمون بألسنة ويعظمون الله [ هذا دليل علي قبولهم الروح القدس ] » ( أع 10 : 46 ) فتيقن أنهم وهم يسمعون له آمنوا وقبلوا الخلاص ووُلِدوا من فوق وغَفَرَ الله كل خطاياهم لأنه لا يمكن أن يقبلوا الروح القدس قبل أن تُغفر خطاياهم ..
لقد غفر الله لكرنيليوس ورفقائه فلتغفر لهم الكنيسة أيضاً أى أن تراهم أشخاصاً مبررين بالدم فتقبلهم كأعضاء من أعضائها وذلك بتعميدهم بالماء .. لم يستمر بطرس فى عظته لهم ، توقف وقال « أتُري يستطيع أحد أن يمنع الماء حتي لا يعتمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضاً . وأمر أن يعتمدوا » ( أع 10 : 47 ، 48 ) ..
لماذا نفـخ ؟
وقد تسأل لماذا نفخ الرب وقال للتلاميذ « اقبلوا الروح القدس» ( يو 20 : 22 ) فى نفس المناسبة التى قال لهم فيها « من غفرتم خطاياه .. » ؟ .. بالقطع لم تكن نفخة بهدف أن يمتلئوا بالروح ففى هذه المناسبة ذاتها أعلن الرب لهم أن الامـتلاء سيحدث فى وقت قادم « ها أنا أُرسل إليكم موعد أبى . فأقيموا فى مدينة أُورشليم إلي أن تلبسوا قوة من الأعالى » ( لو 24 : 49 ) .. وقد حدث ذلك بالفعل بعد هذه المناسبة بخمسين يوماً ( أع 2 : 4 ) ..
وهكذا لم تكن نفخة الرب من أجل الامتلاء بالروح ، فماذا كان الهدف منها ؟.. لا شك أنه هدف يتعلق بالكرازة لأنها كانت كما يشرح إنجيل لوقا موضوع حديث الرب مع تلاميذه فى تلك المناسبة..
« حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب [ أسفار الكتاب ] . وقال لهم هكذا هو مكتوب وهكذا كان ينبغى أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات فى اليوم الثالث . وأن يُكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا » ( لو 24 : 45 ـ 47 ) ..
لقد كان هدف الرب من هذه النفخة قائلاً « اقبلوا الروح القدس» أن يفتح أذهان تلاميذه بالروح كى يعرفوا ما قالته الكتب ( كلمة الله ) عن الحق الخاص بغفران الخطايا .. وبكلمات أُخري أن يأخذوا مفاتيح المعرفة ..
أيها الحبيب .. كل من يرسله الرب ليكرز للخطاة ، كل من يريد أن يعطيه مفاتيح ملكوت السموات سيلمس بالروح ذهنه ليفهم تفاصيل الحق الخاص بالغفران ..
وهكذا نبلغ نهاية هذا الفصل متيقنين أن المقطع الأول من النَصْ الأول والنَصْ الثانى بأكمله ( مت 16 : 18 ، 19 ، يو 20 : 22 ،23) لا يحمـلان أى دليل علي ضـرورة الاعـتراف بالخطـايا للقـس كـــى ينـال الشخص الغفران .. لكن دعنى أُكرر ما قلته من قبل أن هذا لا يعنى مطلقاً أن الاعتراف بالخطايا لقس أو مؤمن متقدم فى علاقته مع الله هو دائماً أمر خاطىء ، فهو يفيد فى المساعدة علي شـفاء الداخل والتحرر من الأفكار الكاذبة .. وأُذكرك بأن المرشد يجب أن تتوفر فيه صفات أسـاسية أهمها أن يكـون ممتلئاً بالـروح حتي يـكون حكمـه صائباً علي الأُمـور ، مكتوب « وأما الروحى فيحكم فى كل شىء » (1كو 2: 15 ) .. وأن تكـون كلمـة اللـه ساكنة فيه بغني ( كو 3 : 16) حتي يرشدك علي أساسها ( عب 13 : 17 ).. كما لابد وأن يظهر حبه لك واضحاً فى تعبه لأجل بنيانك ( 1 كو 16 : 16) .. لكن احذر :
• أن يتسرب إلي ذهنك أنك تعترف لتُغفَر خطاياك ، فمغفرة الخطايا هى فقط من سلطان الله ( مر 2 : 7 ، مت 9 : 6 ) نتيجة لاعترافك المباشر له .. اعتراف الابن لأبيه ..
• أو تعترف حتي إذا حوربت بارتكاب خطية ما تذكرت الإحساس بالخجل والخزى الذى ستعانى منه أثناء الاعتراف للمرشد الروحى ، فـتزداد مقاومتـك لإغراء الخطية .. آه ما أبعد أفكار الإنسان عن الكتاب المقدس !! فالذى يبتعد عن الخطية خوفاً من الخجل من إنسان هو شخص دافعه أنانى منحصر فى ذاته ويجهل الكثير عن محبة الله له .. إن هذه المحبة يجب أن تكون دافعك لرفض الخطية ( يه 20 ـ 23 ) ، فالمؤمن الحقيقى هدفه أن لا يفعل شيئاً يجرح به محبة الله الأبوية له بخطية يرتكبها ..
• أو أن تعترف بهدف أن تعاقب نفسك بإظهارها خاطئة أمام الإنسان الذى تعترف له لكى يستريح ضميرك .. هذا أمر خاطىء جداً وما هو إلا عودة إلي الفكرة المناقضة لإعلان الكتاب المقدس والتى تنادى بأنه يمكن للإنسان أن يُكفر عن خطاياه بأعمال يقوم بها ..
أيها الحبيب ، راحة الضمير لا تتحقق إلا بنوال يقـين الغفـران الـذى يأتى نتيجة لإيمـان القلب بالرب « إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله » ( رو 5 : 1) ..

 

This site was last updated 10/30/18